الأدب

حين يتحول الحب الى جرح فلسفي

قراءة في (طريق جانبي الى حارة سيمون)

جاسم محمد علي المعموري
جاسم محمد علي المعموري
مقال نقدي أدبي

ان قصة - طريق جانبي الى حارة سيمون - للكاتب د. سامي البدري بُنيت على لعبةٍ حوارية شديدة الذكاء, تجعل من الحديث العابر بين شيخين وحيدين مدخلاً لتفكيك اسئلة معقدة تتعلق بالحب والجسد والانوثة والخيانة والوحدة والشيخوخة, والنص منذ بدايته لا يتعامل مع (سيمون دي بوفوار) بوصفها شخصية تاريخية او فكرية فحسب, وانما بوصفها رمزا ثقافيا يمكن عبره مساءلة العلاقة الشائكة بين الرجل والمرأة.. بين الفكر والرغبة.. وبين الجمال والقبح.

ولعل اول ما لفت نظري في القصة هو اعتمادها شبه الكامل على الحوار, حتى تكاد تختفي الحدود التقليدية بين السرد والتأمل الفلسفي, فالقصة لا تتحرك بالاحداث بقدر ما تتحرك بالافكار, والشخصيتان الرئيسيتان تجلسان قرب البيت الذي عاشت فيه سيمون دي بوفوار ,ثم في بيت احدهما ,لكن هذا الحيز المكاني الضيق يتحول الى فضاء واسع للتداعي والتفسير والاستبطان, حيث اننا لا نتابع حكاية بقدر ما نتابع عقلين متعبين يحاولان فهم الحياة بعد فوات الاوان, ولهذا يبدو النص اقرب الى حوار وجودي طويل تتسلل داخله الحكاية على شكل اعترافات ومرارات شخصية.

وقد نجح الكاتب في خلق شخصيتين متكاملتين من حيث الوظيفة الفنية, فالسارد يبدو اكثر ميلاً للتحليل العقلي والتفسير الهادئ ,بينما يبدو صديقه اكثر اندفاعا وسخرية وجرأة في اطلاق الاحكام. غير ان هذا الاختلاف الظاهري لا يلغي التشابه العميق بينهما, فكلاهما مهزوم عاطفيا, وكلاهما انتهى الى عزلة باردة لا يخففها سوى وجود كلب يشاركه الوحدة, وهنا تتحول الكلاب في القصة من مجرد تفصيل عابر الى رمز بالغ الدلالة, فالكلب –هنا - ليس حيوانا اليفا فقط , بل هو تعويض عاطفي عن خيبات البشر, وعن العلاقات التي فشلت في منح الوفاء والطمأنينة, ومن اجمل لحظات النص تلك التي ينهار فيها الصديق خوفا على كلبه المجروح, فيكشف بصورة لا ارادية عن هشاشته الداخلية وعن رعبهِ الحقيقي من العودة الى الوحدة المطلقة.

ويعتمد الكاتب اسلوبا قائما على التراكم الحواري, اذ تبدو الافكار وكأنها تتولد تلقائيا من بعضها بعضا,فالحديث عن دمامة سارتر يقود الى الحديث عن ذائقة المراة, ثم الى الالم, ثم الى الجسد, ثم الى الخيانة ,ثم الى الشيخوخة ,وصولا الى معنى الوفاء نفسه, وهذا التدرج يمنح النص حيوية فكرية واضحة, ويجعل القارئ يشعر انه يشارك الشخصيتين جلستهما الطويلة قرب المدفأة ,كما ان الكاتب يتعمد ان يجعل الحوار متذبذباً بين العمق والسخرية .. بين الحكمة والابتذال, وهو أمر يضفي على الشخصيتين صدقا انسانيا, فهما لا تتكلمان بلغة فلسفية صافية, وانما بلغة بشر متعبين اختلطت لديهم المرارة بالنكتة السوداء.

اما على مستوى الرؤية الفكرية, فالقصة تطرح تصوراً شديد القسوة تجاه المراة والحب, فالصديق يحاول تفسير انجذاب دي بوفوار لسارتر من خلال فكرة ((الألم)) اذ يرى ان المرأة تنجذب لمن يمنحها ألماً عميقا, وان علاقتها بالرجل محكومة بحاجتها النفسية والجسدية لهذا الألم, وهذه الفكرة تتكرر باشكال متعددة داخل النص, حتى تصبح أشبه بالمحور الخفي الذي تنتظم حوله الحوارات كلها ,غير ان الكاتب لا يقدم هذه الرؤية بوصفها حقيقة نهائية, وانما يتركها معلقة داخل فم شخصية مهزومة ومجروحة عاطفيا, وهذا هو الذي يفتح باب الشك في صدقيتها, وهنا تكمن قوة النص ,فهو لا يفرض افكاره مباشرة, بل يجعلها صادرة عن تجربة انسانية متصدعة.

كما ان حضورسيمون دي بوفوار وسارتر داخل القصة ليس حضوراً ثقافيا تزيينيا, بل هو جزء اساسي من البناء الرمزي للنص, فالثنائي الشهير يتحول الى مرآة يرى البطلان عبرها فشلهما الشخصي. انهما لا يناقشان دي بوفوار بوصفها فيلسوفة نسوية فقط, بل بوصفها امرأة خانت وانجرحت وشيخت واحبت بطريقة مربكة, وكذلك سارتر لا يظهر كمفكر وجودي وانما يظهر كرجل دميم استطاع رغم ذلك ان يفرض حضوره على النساء, ومن خلال هذا التحويل الذكي للشخصيات الفكرية الى كائنات بشرية مشتهاة ومهزومة, ينجح الكاتب في اعادة قراءة الرموز الثقافية من زاوية انسانية حميمة.

ومن الناحية الفنية ايضا, تمتاز القصة بلغتها السلسة التي تجمع بين الفصحى اليومية والتامل الفلسفي, فالكاتب لا يلجأ الى الزخرفة اللغوية الثقيلة, بل يعتمد لغة مرنة قادرة على احتواء السخرية والالم معا, كما ان كثافة الحوار لم تضعف الايقاع, بل على العكس منحت النص حيوية مستمرة, خاصة مع كثرة القهقهات والتعليقات الساخرة التي تخفف من ثقل الافكار المطروحة, حتى المشاهد الصغيرة, كاشعال النار او تحرك الكلاب أو ملء الكؤوس, جاءت موظفة بذكاء لتمنح النص بعداً بصريا وحميمية داخلية.

وتبرز نهاية القصة بوصفها لحظة تكثيف شديدة الدلالة, فحين يعود الحديث اخيراً الى دي بوفوار وسارتر بعد حادثة الكلب, يبدو الامر وكأن الشخصيتين كانتا طوال الوقت تتحدثان عن نفسيهما لا عن الثنائي الفرنسي, ولهذا تكتسب الجملة الاخيرة حول (عفافة الجسد) و(غيرة الانوثة) بعداً مأساويا, لانها تكشف ان كل هذا الجدل الفلسفي لم يكن سوى محاولة متاخرة لفهم خيبات شخصية لم تندمل ابدا.

ان (طريق جانبي الى حارة سيمون) ليست مجرد قصة عن سارتر ودي بوفوار, ولا مجرد حوار عن المراة والحب, وانما هي نص عن الشيخوخة والوحدة والندم ومحاولة فهم ما تعجز الحياة عن تفسيره, وقد استطاع د. سامي البدري ان يقدم نصاً غنيا بالافكار والانفعالات, يجمع بين السرد والتامل, وبين السخرية والمرارة, في صيغة قصصية تجعل القارئ يشعر انه أمام اعتراف طويل لرجلين اكتشفا متاخرَين ان اكثر ما يؤلم الانسان ليس الخيانة وحدها, بل العجز عن فهمها.

جاسم محمد علي المعموري