سبحان الله الذي لا تضيع عنده اعمال العاملين وان واراهم التراب, وغيبتهم الاجداث ,وتفرقت بهم السبل في بطون الارض وبطون الكتب, ثم الصلاة على محمد سيد من نطق بالحكمة ,وفاض بالرحمة, وعلى اله مصابيح الدجى وسفن النجاة ومناهل الهدى..
اما بعد, فان الموت باب , وكل الناس داخله ,والفقد سهم لا يخطئ مقاتله ,غير ان الرزية لا تكون سواء ,ولا المصيبة تعدل المصيبة ,فإن من الناس من اذا غاب غاب شخصه وبقي مِثله ,ومنهم من اذا وارته الارض اضطرب له الزمان ,وسكتت لفقده المنابر ,وارتجت لفقده الصدور ,واذبل الحزن لفراقه وجوه الصالحين وطلاب العلم والعارفين ,وذلك حين نعى الناعون اية الله العظمى الشيخ محمد اسحاق الفياض ( قدس سره الشريف ) فان النجف يومئذ لم تكن مدينة تنعي عالما جهبذا فحسب,وانما كانت تنعي عصرا من عصور العلم ,وركنا من اركان الحلم ,وبقية من بقايا الاطهار الذين اذا ذُكروا ذُكر معهم الورع ,واذا وُصفوا وُصف معهم الزهد ,واذا حضروا حضرت معهم هيبة العلم ووقار الحكماء..
لقد انطفأ اليوم مصباح من مصابيح الحوزة المنيرة والعلم الساطع , الفياض بالعلم والزهد والخلق الرفيع ,والغيرة على الدين والامة ,غير ان ضوءه باق في القلوب والسطور , وانهدّ ركن من اركان المعرفة ,غير ان ظله ما زال ممتدا على افئدة المؤمنين ,وكيف لا يكون كذلك والرجل قد افنى عمره بين درس وتدريس ,وتحقيق وتقرير ,وتربية وتهذيب! حتى صار اسمه عَلما على الصبر ,وعنوانا على الوقار ,ودليلا على ان العلم الذي اذا اقترن بالاخلاص رفع الله به صاحبه درجات لا يبلغها اهل السلطان ولا اهل الثروة ولا اهل الضجيج..
خرج الشيخ من ارض بعيدة ,يحمل قلبا صغيرا ,وحلما كبيرا ,فما زال يطوي مفاوز التعب حتى انتهى به الطريق الى النجف الاشرف ,فاناخ بها راحلته والقى فيها عصا غربته ,ثم اقبل على العلم اقبال الظامئ على الماء ,والعليل على الدواء ,فلا ليل يقطعه عن المطالعة ,ولا تعب يصرفه عن البحث حتى شهد له اهل الفضل بالفضل, واهل التحقيق بالتحقيق واهل المعرفة بعلو الهامة ورسوخ القدم..
جلس بين يدي كبار العلماء ونهل من بحارهم حتى صار واحدا من اعلام مدرستهم الكبار ,وتلميذا من تلامذة السيد الخوئي الذين حملوا بعده لواء البحث العلمي الفياض, وحفظوا للحوزة سمتها العلمية وهيبتها الاصولية ,وكان اذا تكلم في الفقه حسب السامع ان المسائل تنطق على لسانه ,واذا خاض في الاصول ظن الحاضر ان المعاني تخرج من بين يديه صفوا لا كدر فيه, ولا اضطراب ,وكان طويل النفس في التحقيق ,بعيد الغور في التدقيق ,لا يستعجل جوابا ,ولا يطلق حكما حتى يزن القول بميزان العلم والاحتياط..
ولقد ترك من الاثار ما يبقيه حيا في عقول الدارسين وان غاب عن مجالسهم ,فله الشروح والتقريرات والابحاث العالية ,وله الحواشي التي تداولها اهل الفقه والاصول جيلا بعد جيل ,وله تلامذة انتشروا في البلاد ينقلون علمه كما تُنقل الرياح الطيبة عبير البساتين ,وكان مع سعة علمه شديد التواضع ,قليل الالتفات الى زخارف الدنيا ,يرى المرجعية تكليفا لا تشريفا ,ومسؤولية لا سيادة ,وخدمة لا رفعة ,فكان يهرب من الاضواء كما يهرب الزاهد من مواطن الفتنة ,ويقبل على الناس بوجه هادئ وكلام قليل وقلب مليء بالرحمة..
وما عرف الناس الشيخ بكثرة الكلام ,ولكن عرفوه بصدق المقام ,فكم مرت بالعراق فتن لو نزلت بالجبال لصدّعتها ,وبالقلوب لروّعتها ,فكان صوته يومئذ صوت الحكمة ,ولسانه لسان التهدئة ,يدعو الى حقن الدماء وجمع الكلمة وصيانة البلاد من التمزق والانهيار ,فلم يكن من اهل الصخب ,ولا من تجار المواقف , وانما كان يرى ان المرجع اذا فقد حكمته اضاع الناس ,واذا دخل معترك الاهواء هلك واهلك..
يا اهل النجف الكرام , ويا ايها العلماء والصالحين في العالم كله ,ابكوا اليوم عالما من علمائكم , فقد كانت العمامة على راسه مهابة ,وكان الصمت في مجلسه خطابة ,وكان الزهد في داره عبادة ,وكان الليل عنده محرابا طويلا للذكر والتامل والدرس ,وما اكثر من جلسوا اليه فخرجوا منه وهم يرون العلم خُلقا قبل ان يكون حفظا , وادبا قبل ان يكون جدلا ,ونورا قبل ان يكون شهرة..
لقد رحل الشيخ الفياض ( قدس سره الشريف ) بعد عمر جاوز التسعين, ولكنه لم يهرم في ميدان العلم ,ولم يضعف في طريق العبادة , بل بقي الى ايامه الاخيرة مثالا للعالم التقي الورع الصبور, فما ضعف يقينه بدينه وان ضعفت قواه في بدنه ,وما ضعفت بصيرته بآخرته حتى جاءه الاجل فمضى الى ربه هادئا كما عاش هادئا ,تاركا خلفه سيرة لو قُسمت على اهل الزمان لكفتهم ,وذكرا لو نُقش على الصخر لبقي ما بقي الدهر..
فيا ايها الراحل الكبير... هنيئا لك ما قدمت ,وهنيئا لك تلك الدموع التي انحدرت عليك من عيون المحبين , وذلك الحزن الذي خيم على النجف والعراق والعالم ,وقلوب المؤمنين ,فما كل راحل يُندب, وما كل غائب يُفتقد ,ولكنها منازل يرفع الله اليها من صدق في علمه ,وزهد في دنياه ,وخاف ربه في سره وعلانيته..
سلام عليك يوم خرجت من ارضك طالبا للعلم لا تملك الا قلبا مفعما بالعزم ,وسلام عليك يوم صرت علما من اعلام الحوزة ,وركنا من اركان المرجعية ,وسلام عليك يوم حملت هم الناس ولم تحمل هم نفسك على الناس ,وسلام عليك يوم اسلمت الروح الى بارئها بعد عمر طويل ما وهن فيه يقينك ولا فتر فيه عطاؤك , وسلام عليك يوم تبعث حيا بين يدي رب رحيم ونبي كريم واهل بيت على الاعراف يعرفون كلا بسيماهم ,وسيبقى اسمك في النجف ما بقيت حلقات الدرس ,وما بقيت المنابر ,وما بقي في الناس من يعرف للعلم قدره ,وللعلماء حقهم وللصالحين منزلتهم.
جاسم محمد علي المعموري