شوقي كريم حسن

شوقي كريم حسن

الفكر والسياسة

تاريخ النشر: 2026-10-10

رواية على حلقات

ملف اتهام بالقرائن
ثانيا : لماذا أخفت حماس خطتها عن محور المقاومة ؟!
ذكرنا في المقال الاول سؤالا وهو لماذا اختارت حماس السابع من اكتوبر لتنفيذ عملية كانت تخطط لها منذ سنوات وكان تأجيلها ممكنا ؟ اما هنا فالقرائن اشد خطورة , حيث ان حماس اخفت قرار العملية وموعدها عن محور المقاومة كله , مع انها كانت تعرف ان العملية ستضع هذا المحور امام حرب لم يخترها ولم يشارك في تحديد توقيتها.
وقد أكد السيد الشهيد حسن نصر الله في اول خطاب له بعد العملية ان قرارها وتنفيذها كان فلسطينيا صرفا , هنا تصبح السرية نفسها جزءا من ملف الاتهام فحماس لم تخف العملية عن محور المقاومة لانها لم تكن بحاجة اليه , بل اخفتها عنه وهي تعرف انها ستحتاج اليه فور اندلاع الحرب ,لذا فإن التفسير الذي اطرحه هو انها كانت تعلم ان المحور لو عرف مسبقا بالتوقيت , وبطبيعة العملية , وباسلوب تنفيذها , وبما سيقع فيها من قتل للمدنيين الابرياء , وبحجم النتائج التي يمكن ان تترتب عليها , لما وافق عليها, لذلك لم تطلب موافقته , ولم تمنحه فرصة الاعتراض , بل نفذت العملية اولا ثم وضعته امام الامر الواقع.

وهذا في ذاته خيانة للعلاقة بين الحلفاء, فالحليف الذي تثق به لا تخفي عنه حربا تريد منه ان يخوضها معك, ولا تتخذ قراراً قد يؤدي الى تدمير غزة وفتح جبهة لبنان وجر ايران والعراق واليمن الى المواجهة , ثم تخبرهم بعد التنفيذ فإذا كانت حماس تعتبر محور المقاومة حليفا حقيقيا , فمن حق هذا الحليف ان يعرف القرار الذي يمكن ان يغير مصيره قبل تنفيذه , لا بعد ان تصبح العودة عنه مستحيلة.
لكن القرينة تصبح اكثر اثارة للشك حين نضع الى جانبها ما كان موجودا لدى اسرائيل, فقبل السابع من اكتوبر باكثر من عام كانت الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية تملك خطة عرفت باسم ( جدار اريحا ) , تصف بصورة قريبة جدا العناصر والملامح الاساسية للهجوم الذي وقع لاحقا كاطلاق الصواريخ , وتعطيل وسائل المراقبة , واقتحام الحدود , ومهاجمة المواقع العسكرية والبلدات, وكانت هناك ايضا تحذيرات ومعلومات اخرى سبقت الهجوم ,ولا ننسى تحذير مصر وتحذير الامارات قبل وقوع العملية بايام وربما اسابيع والذي اخفاه نتياهو عن حكومته واجهزته الامنية والعسكرية , فهل كان هذا لمجرد الاستهانة بهذه المعلومات الاكيدة والخطيرة , ام ان اخفائها كان جزءا من الخطة ؟
ان هذه السلسلة من القرائن تفرض علينا سؤالا مهما هل كانت هذه العملية مجرد عملية مقاومة أخطأت حساب النتائج , ام كان هناك ما هو اخطر , مؤامرة التقت فيها اهداف قيادة حماس مع اهداف نتنياهو لضرب القضية الفلسطينية ومحور المقاومة بحجر واحد؟
وعند وضع هذه الفرضية امام الوقائع تتغير دلالة السرية تماما, فكيف نجحت حماس في اخفاء قرارها عن جميع حلفائها بينما كان نتنياهو واجهزته يملكون من المعلومات ما يكفي لمعرفة ان عملية بهذا الشكل يجري الاعداد لها,واذا اضفنا الى ذلك قرينة التوقيت التي ناقشناها في المقال الاول , فان الشك لا يتراجع بل يزداد.
ان هذه العملية الارهابية التي كانت قاسية الى حد المبالغة الداعية الى الشك ,والذي زاد في قسوتها ما قام به نتياهو من اعمال وحشية في الاماكن التي دخلتها حماس ليكمل بها صورة الرعب المطلوبة والتي كان يعتقد انها لم تكن كافية كي تشبه 11 سبتمبر , ان هذا كله وضع محور المقاومة امام واقع لم يشارك في صنعه.
وهنا يصبح عدم الإخبار اكثر من مجرد سر عسكري , لو كانت حماس تعلم ان محور المقاومة سيوافق على العملية كما خططت لها , فما الذي كانت تخشاه من اخباره؟
وهذا هو موضع الخيانة تحديدا, اذ لم تكن الخيانة في ان حماس احتفظت بتفصيل عسكري صغير , بل في انها اخفت عن محور المقاومة قرارا كانت تعرف انه قد يجره الى حرب كبرى , ثم نفذته من دون موافقته , وتركته بعد ذلك امام خيارين كلاهما مر, اما ان يترك غزة وحدها فيتهمونه بالتخلي عنها , واما ان يدخل الحرب التي لم يستشيروه في بدئها, ويدفع ثمن قرار لم يتخذه.
وفي المقابل حصل نتنياهو على الذريعة التي كان يحتاج اليها, حيث ان قتل المدنيين الابرياء في السابع من اكتوبر قدم لحكومته مادة هائلة لتسويق الحرب , ثم جاءت الحرب على غزة وما رافقها من قتل ودمار وتهجير , واتسعت المواجهة بعد ذلك الى المنطقة, ولا يخفى ان المسؤولية عن الجرائم التي ارتكبتها اسرائيل تقع على من ارتكبها , وهو اسرائيل, لكن هذا لا يلغي السؤال عن الطرف الذي صنع الظروف التي استثمرها نتنياهو , ولا عن سبب اخفاء ذلك القرار عن القوى التي ستدفع معه ثمن نتائجه.
جاسم محمد علي المعموري

شارك هذا المقال

فيسبوك واتساب