جاسم محمد علي المعموري

جاسم محمد علي المعموري

الفكر والسياسة

تاريخ النشر: 2026-10-06

ملف اتهام بالقرائن
اولا : من كان بأمس الحاجة لإغراقنا ؟!
كنت منذ الساعات الاولى للسابع من اكتوبر المشؤوم اتابع ما يجري واكتب رؤوس اقلام عن الاحداث, وقد عرفت منذ اللحظات الاولى خطورة ما اقدمت عليه حماس, وساورني الشك في اخلاص قرارها ونزاهته تجاه محور المقاومة, وفي تلك الساعات كنت ادعو واصلي ألا ينخرط حزب الله في المواجهة, لأنني رأيت أن ما يجري كان مصيدة اُعدت له ولمشروع المقاومة كله, وها قد مرت ثلاث سنوات جرت فيها احداث لم يكن اي احد منا يتوقعها , ولو عدنا الى الوراء لنسأل لماذا وقع الهجوم في ذلك التوقيت بالذات, ومن الذي كان بحاجة اليه, او لمصلحة من كان ذلك الهجوم ؟ لعرفنا فورا حجم المؤامرة القذرة .
هذا ملف اتهام بالقرائن اوجهه الى حماس, والاتهام ليس ادانة كما لا يخفى, وإذا نظرنا الى تاريخ حماس مع نتنياهو, وهو تاريخ يمتد لعقود, لوجدنا علاقة غريبة تستحق التوقف عندها والنظر فيها , لأن افعال كل منهما خدمت الآخر في محطات مهمة من حيث النتيجة, حتى وإن كان كل واحد منهما يعلن أنه يقاتل الآخر.
في سنة 1996 كان شمعون بيريز متقدما على نتنياهو بفارق كبير في استطلاعات الرأي, ووصل الفارق في أحد الاستطلاعات الى 16نقطة. ثم جاءت موجة التفجيرات التي نفذتها حماس, لتغير مسار الانتخابات , وليتقدم نتنياهو بعد تفجيرين آخرين, كان نتنياهو يمثل اليمين الاسرائيلي المتشدد ويركز خطابه على الأمن ومهاجمة مسار التسوية, ولذلك نقلت التفجيرات الانتخابات الى الملعب الذي يجيده ويحبه. وانتهت الانتخابات بفوزه بفارق ضئيل.. هنا لا يمكن لنا ان نتجاهل ان حماس ساهمت بقلب النتيجة لصالح نتياهو وساعدت الرجل الذي كان يقدم نفسه للاسرائيليين بوصفه رجل الامن في مواجهة الفلسطينيين. وهذا غيض من فيض ,ومثال واحد فقط من اجل الاختصار.
هذه الحادثة القديمة مهمة لفهم مايحدث منذ 3 سنوات, فالخوف يستطيع أن يغير اراء الناس, والحادث الأمني الكبير يستطيع انيوحد الناس خلف قيادة تؤمن بالحروب ,كما أن الاحداث الكبرى لا تقع دائما في فراغ, وانما قد تسبقها احداث اصغر وتحذيرات وتصعيد متدرج يهيء الناس لتقبل الخبر. قبل 11 سبتمبر مثلا سبقت الهجوم الكبير تفجيرات السفارتين الاميركيتين في كينيا وتنزانيا, ومؤامرات اخرى, ثم الهجوم على المدمرة الاميركية ( كول )سنة 2000. لا اقول إن كل حادث اصغر مقدمة لحادث اكبر, وإنما اقول ان علينا ان ننظر الى كل حادثة على اساس ما قبلها وما بعدها, أحيانا لا يظهر اللغز إلا عندما نضع الاحداث على خط واحد, وهذا يشبه عملية التحقيق في جريمة قتل معقدة , فلا يمكن للمحقق ان يبقى اسيرا في مكان وزمان الجريمة , وانما عليه التحرك ضمن اماكن وازمنة وطرق ووسائل اوسع .
في مكالمة هاتفية مسربة جرت سنة 2008بين رئيس اليمن السابق علي عبد الله صالح مع رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل يطالب فيها خالد مشعل بوقف ( العدوان ) الاسرائيلي ورفع الحصار عن قطاع غزة لكن الرئيس اليمني يواجهه برد عنيف غير متوقع حيث يقول له بنبرة شديدة الغضب والعتب ( ان صواريخ حماس مضرة بالشعب الفلسطيني , لن تحقق اهدافا , ولن تعمل شيئا بالاسرائيليين , ولا افزعت حنى امرأة , انتم تطلقون الصواريخ من اجل ان تجد اسرائيل مسببات لضرب الشعب الفلسطيني .. حتى اليوم ما وجدت ارشاد في داخل قطاع غزة ان ترشدوا المواطنين العزل ان يتجنبوا الاهداف المختارة من قبل اسرائيل , اهداف مختارة , وانتم تعرفون ماهي الاهداف المختارة ) وهذا لعمري اوضح تصريح يؤيد بقوة ما جمعته من قرائن , وتجدون هنا رابط الفيديو الخاص بهذه المكالمة المسربة ( https://www.tiktok.com/t/ZPLN7RAAk/ )
لم يكن نتنياهو قبل 7 اكتوبر يعيش ايامه السياسية العادية ,وانما كان يواجه واحدة من اعمق الازمات الداخلية في اسرائيل بسبب مشروع حكومته لتغيير النظام القضائي. كانت الاحتجاجات مستمرة لـ 9 اشهر متواصلة ليصل العدد اكثر من نصف مليون في ليلة واحدة في تل ابيب والقدس ومدن اخرى ,ووصل الانقسام الى قوات الاحتياط والطيارين, وأصبح الجيش نفسه يحذر من تأثير الازمة على الجاهزية, بل حذر قائد سلاح الجو من أن خصوم اسرائيل قد يستغلون الانقسام الداخلي. كانت صورة اسرائيل قبل 7 اكتوبر هي صورة مجتمع منقسم وحكومة تتعرض لضغط داخلي شديد.
ثم جاء 7 اكتوبر,ليتغير كل شيء وتتوقف المظاهرت الغير مسبوقة في تاريخ الاحتنلال . اختفت التعديلات القضائية والاحتجاجات وازمة الاحتياط من مركز المشهد, وأصبحت اسرائيل في حرب! وبعد اربعة ايام فقط دخل بني غانتس, أحد ابرز خصوم نتنياهو معه في حكومة طوارئ ومجلس حرب.
وبصراحة اقول ان إنقاذ نتنياهو من الفرضيات التي تناقشها هذه المقالات الاربع , فعملية حماس اعد لها من سنوات, وكان ممكنا تأجيلها, وحلفاء كانوا يحتاجون الى مزيد من الوقت, ومع ذلك اختارت حماس لتنفيذها وقتا كان فيه نتنياهو يعيش ازمة داخلية عميقة ودون التشاور مع محور المقاومة وكانت احدى نتائجها الفورية أن تغير المشهد الذي كان يهدد حكومة نتنياهو.
نتنياهو ليس غريبا على حماس ولا حماس غريبة على نتياهو فالحليفان الصديقان العدوان يعرفان بعضهما بعضا جيدا, وهنا يجب ان اسأل هل كانت حماس لا تعرف حجم عمليتها والنتائج المترتبة عليها ؟ هل استشارت محور المقاومة ؟ هل فكرت في الواقع الاقليمي ؟
لقد كتبت هذه السلسلة منذ اشهر ولكن اليوم 30 \10 \ 2026 واثناء مراجعتي لها لتهيأتها للنشر ظهرت أمامي واقعتان صغيرتان نسبيا تستحقان المراقبة وهما التحقيق البريطاني في نشاط مشبوه قرب قاعدة فيرفورد, ثم محاولة مساعد طيار فلاي دبي إسقاط طائرة متجهة الى تل ابيب. وبالرغم من عدم ثبوت مسؤولية ايران حتى الآن عن أي منهما, لكن الخصوم اشاروا اليها فورا وقبل التحقيق كعادتهم دائما . ولهذا اسجل السؤال في يومه وهو :هل تنتهي الحادثتان بانتهاء التحقيق, أم نحن امام بداية لتصعيد اخرقد تدخل فيه حوادث اخرى؟
وهنا عندي سؤال اضعه امام السابع من اكتوبر وهو من الذي يصنع الحدث ومن المستفيد ؟ فالتوقيت مشبوه وما حدث قبله يشير الى شيء, والتغيير الذي حدث بعده يشير الى شيء , لهذا لا ارى السابع من اكتوبر مجرد يوم اختارته حماس لتنفيذ عملية عسكرية, بل هو يوم مشبوه ومشؤوم له ما له وعليه ما عليه.
وبعد ثلاث سنوات لا يزال السؤال الذي كتبته في الساعات الاولى هو نفسه, لكن الوقائع التي تراكمت جعلته اثقل بكثير وهو: من كان يحتاج الى السابع من اكتوبر في ذلك التوقيت بالذات؟
جاسم محمد علي المعموري

شارك هذا المقال

فيسبوك واتساب