قال الله تعالى: ( والشعراء يتبعهم الغاوون * ألم تر أنهم في كل واد يهيمون * وأنهم يقولون ما لا يفعلون * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ). بهذه الآيات من خاتمة سورة الشعراء يضع القرآن أمامنا صورتين متقابلتين للكلمة الشعرية وصاحبها , ولا يبدو ان المقصود إدانة الشعر بوصفه فنا , ولا الشاعر لأنه شاعر , فالقرآن نفسه يستثني من الحكم طائفة من الشعراء , ويحدد لها صفات واضحة هي الايمان والعمل الصالح وذكر الله والانتصار بعد الظلم , ومن هنا يمكن قراءة الآيات باعتبارها ميزانا أخلاقيا للكلمة , فالشاعر إما ان يحمل قضية تمنح شعره وجهة ومعنى , وإما ان تجره موهبته من واد الى واد حتى يضيع رويدا رويدا بين ما يقوله اليوم وما يقوله غدا , وبين ما يؤمن به وما ينطق به.
إن عبارة ( في كل واد يهيمون ) من أكثر العبارات القرآنية قدرة على تصوير هذا النوع من الضياع, فالهيام في الوادي حركة لا تستقر على طريق , وكأن الشاعر الذي لا تحكم كلمته قيمة أو قضية يمكن ان تتحول موهبته العظيمة الى قوة بلا اتجاه , يرفع بها اليوم انسانا الى السماء ثم يهوي به غدا الى الارض , ويمدح فضيلة حين تخدم مصلحته ثم يتغنى بنقيضها عندما تتغير المصلحة. ولهذا أعقب القرآن هذه الصورة بقوله ( وأنهم يقولون ما لا يفعلون ) , لأن الانفصال بين الكلمة والموقف هو احد اخطر أمراض الكلمة , شعرا كانت أم نثرا.
ولكن القرآن لم يغلق الباب , بل فتحه على مصراعيه أمام نموذج آخر , فقال ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا ). وهذا الاستثناء بالغ الأهمية , لأنه ينقل الشعر من دائرة اللهو المجرد إلى دائرة المسؤولية , ولا يكتفي بأن يكون الشاعر مؤمنا في داخله , بل يربط الإيمان بالعمل , ثم بالذكر , ثم بمواجهة الظلم, وبذلك نستطيع ان نسال لمن يكتب الشاعر , وأي قضية تحملها كلمته , وأين يقف حين يتواجه الحق والباطل؟
الكلمة في مدرسة أهل البيت ( ع )
تكشف سيرة أهل البيت ( ع ) عن تقدير واضح للشعر حين يتحول إلى حامل للقيم والعقيدة والذاكرة. ومن النصوص الدالة على ذلك ما روي عن الإمام الصادق ( ع ) في سفيان بن مصعب العبدي: ( يا معشر الشيعة , علموا أولادكم شعر العبدي , فإنه على دين الله ). والدلالة هنا أعمق من الثناء على شاعر بعينه , فالإمام يربط قيمة الشعر بمضمونه واتجاهه , حتى يصبح الشعر مادة تستحق أن تعلم للأبناء عندما يحمل دينا ووعيا ومعرفة.
وتذكر المصادر أيضا أن الإمام الصادق ( ع ) طلب من العبدي أن ينشد في الحسين ( ع ) , فأنشد وبكى الإمام , واستمر الإنشاد حتى سُمع البكاء من الدار. وهنا لم يعد الشعر مجرد كلمات , بل أصبح وسيلة لحفظ الاحداث وحفظ المأساة من النسيان , ونقلها من جيل إلى جيل , وإبقاء السؤال الذي طرحته كربلاء حيا في ضمير الأمة وهو اين يجب ان يقف الانسان في كل زمن يوجد فيه حسين ويزيد ,حق وباطل ,وتتجلى هذه الوظيفة بوضوح في تجربة دعبل الخزاعي. فقد دخل على الإمام علي بن موسى الرضا ( ع ) وأنشده قصيدته التائية المشهورة التي استعرض فيها محنة أهل البيت ( ع ) وما أصابهم , لقد كان دعبل يعرف أن للكلمة ثمنا , وأن الشعر في زمن الصراع السياسي والعقائدي لم يكن دائما عملا آمنا, ومع ذلك جعل قصيدته وعاء لذاكرة أهل البيت ( ع ) ومظلوميتهم وآمال أتباعهم.
وقبله كان الكميت بن زيد الأسدي قد جعل جانبا مهما من شعره دفاعا عن أهل البيت ( ع ) , ولا سيما في قصائده المعروفة بالهاشميات, رغم انه كان امويا ,وهكذا لم يبق حق أهل البيت ( ع ) محصورا في كتب الحديث والكلام , بل دخل الوجدان الشعبي من أبواب الشعر والرثاء والمنبر والحفظ الشفهي, وربما كان الشعر في أزمنة كثيرة أقدر من الكتاب على الوصول إلى الناس , لأن البيت الواحد يحفظ وينتقل ويقال في المجالس والأسواق والبيوت , وقد يعيش على الألسن قرونا من الزمن يتجدد بتجدد الاجيال .
وهذه الحقيقة تجعل للشعراء الذين حملوا قضية أهل البيت ( ع ) مكانا خاصا في تاريخ الثقافة الإسلامية , فهم لم ينقلوا الحوادث وحدها , وإنما ساهموا في إبقاء الذاكرة حية, والحسين ( ع ) مثال بالغ الوضوح , حيث تحول عبر القرون إلى خطاب ضد الظلم , وإلى استعادة مستمرة لقيم التضحية والكرامة ورفض الخضوع.
ان الموهبة وحدها لا تحدد القيمة الإنسانية للشاعر. قد يمتلك شاعر لغة مدهشة وخيالا واسعا وقدرة على تحريك الجماهير , ولكن السؤال يبقى: ماذا صنع بهذه القدرة؟
كم من شاعر أضاف نبضات إلى قلب الإنسانية , وحمل آلام أناس لم يستطيعوا التعبير عن آلامهم , ودافع عن مظلوم لا يملك منبرا , وحفظ أسماء ضحايا أراد الطغاة أن تمحى أسماؤهم , وواجه احتلالا أو استبدادا أو تمييزا أو فسادا , وربما دفع من أمنه وحريته وحياته ثمنا لكلمته ,وفي المقابل كم من شاعر وضع الموهبة نفسها بين يدي سلطان ظالم , فجمّل قبحه , وحول الهزيمة إلى نصر , والجريمة إلى بطولة , والخوف إلى محبة , وصَنعَ بالكلمات صورة للطاغية لا وجود لها إلا في القصيدة.
وهنا تظهر خطورة الشعر تحديدا , لأن الطاغية حين يوظف الشاعر في خدمته يحتاج منه ان يصنع اسما جميلا لسيفه, ويحتاج إلى من يعيد صياغة جريمته , والفاسد يحتاج إلى من يصنع له صورة الفضيلة, وعندما يقوم الشاعر بهذه المهمة يصبح الشعر جزءا من آلة الظلم , حتى لو كانت القصيدة من الناحية الفنية بديعة, وان جمالها لا يطهرنجاسة القضية التي تخدمها.
وقد عرف التاريخ الإسلامي النموذجين منذ وقت مبكر. فالتفسير يذكر شعراء وقفوا في مواجهة النبي ( ص ) وهجوه ودافعوا بالكلمة عن البيئة التي قاومت رسالته , ومنهم عبد الله بن الزبعرى وغيره , وكان لهم أتباع يروون شعرهم , وهو احد السياقات التي ذُكرت في تفسير قوله تعالى ( والشعراء يتبعهم الغاوون ). وفي الجانب الآخر وجد الشعر الذي دافع عن الرسالة , ثم اتسعت التجربة بعد ذلك لتشمل شعراء جعلوا الدفاع عن أهل البيت ( ع ) ومظلوميتهم قضية حياة.
ولعل الفرزدق يقدم صورة شديدة الدلالة حين أنشد قصيدته المعروفة في الإمام زين العابدين ( ع ) في حضور هشام بن عبد الملك , بعدما حاول هشام تجاهل مكانة الإمام , فقال الفرزدق قصيدته التي عرّف بها الإمام ومكانته ونسبه. وبصرف النظر عن بقية حياة الفرزدق وشعره , فإن قيمة ذلك الموقف تكمن في أن الشاعر قال في لحظة حساسة ما رأى أنه حقيقة , في حضرة السلطة , ولم يجعل قرب السلطة سببا لإنكار ما يعرفه الناس. وهنا تصبح القصيدة موقفا , وكلمة حق في وجه سلطان جائر ,وليس مجرد ابيات شعرية بقيت خالدة الى نهاية العالم .
واستمرت هذه الوظيفة في العصور الحديثة. ويكفي أن نتذكر محمد مهدي الجواهري وقصيدته في الإمام الحسين ( ع ) , التي أعادت تقديم الحسين بلغة الشعر العربي الحديث رمزا حيا للتضحية والرفض والكرامة , لتدرك أن القضية التي حملها شعراء القرون الأولى لم تنته بانتهاء عصورهم , وإنما استطاعت أن تعبر الأزمنة وتكتسب في كل عصر لغة جديدة. كما حمل الشعر العربي الحديث قضايا التحرر والاستقلال وفلسطين والفقر والعدالة والكرامة الإنسانية , وتحولت قصائد كثيرة إلى جزء من ذاكرة شعوب كاملة.
وفي الاتجاه المقابل , لم تنته ظاهرة شاعر السلطة بانتهاء قصور الخلفاء والسلاطين والملوك والرؤساء ,فقد عرفت الأزمنة الحديثة أيضا شعرا دعائيا ارتبط بالأنظمة والحكام والحروب , واستخدمت فيه القصيدة لصناعة صورة الحاكم وتمجيد القوة وتبرير السياسات, وليس المقصود أن يتحول الحديث الى قائمة لمحاكمة الشعراء , فقد تكون تجربة الشاعر الواحد معقدة ومتغيرة , وإنما المقصود ان النموذج الذي وصفه القرآن لم يمت وهو انه ما زال هناك شعر ينحاز إلى الإنسان , وشعر ينحاز إلى القوة ولو سحقت الإنسان.
وهذا يقود إلى مسألة دقيقة , فليس المطلوب من الشاعر ان يكتب في السياسة او الثورة او الحرب حتى يكون صاحب قضية, فالحب الصادق قضية إنسانية , والأمومة قضية , والفقر قضية , والغربة قضية , ورحمة الضعيف قضية , والجمال الذي يسمو بالإنسان قضية, فالقضية هنا ليست موضوعا محددا , وإنما قيمة يحملها الشاعر ويَصدُق معها. وقد يكتب شاعر قصيدة صغيرة عن طفل جائع فتكون أكثر إنسانية من مئات القصائد التي تمجد الزعماء والانتصارات الوهمية.
وكذلك لا يعني امتلاك القضية أن تتحول القصيدة إلى منشور سياسي أو موعظة مباشرة , لأن الشعر يفقد كثيرا من روحه حين يصبح مجرد شعار موزون. إن الشاعر الحقيقي يستطيع أن يخدم قضيته بالجمال كما يخدمها بالموقف , وأن يجعل الإنسان يشعر بالحقيقة قبل أن يناقشها. ولعل هذا أحد أسرار بقاء شعر كربلاء , فلو كان مجرد تسجيل تاريخي لانتهت وظيفته بعد أن سجل المؤرخون الواقعة , لكنه حمل الحزن والوفاء والاحتجاج والأمل , ولذلك بقي حيا.
ان هذه الآيات لا تهتم بمقدار شهرة الشاعر , ولا بعدد قصائده , ولا بقوة صوره واستعاراته , وإنما تضع أمام الكلمة ميزانا أشد عمقا وهو ان هناك شاعر ( في كل واد يهيم ) , وهناك شاعر ( آمن وعمل الصالحات ) و( انتصر من بعد ما ظلم ) وبين الصورتين تاريخ طويل من الشعراء الذين اختار كل منهم المكان الذي يقف فيه.
لقد أسهم شعراء في حفظ قضية اهل البيت ( ع ) حين كانت السلطة تملك المنبر والمال والقوة , وبقيت قصائدهم بعد ان ذهبت سلطات عصرهم. وأسهم آخرون في الدفاع عن أوطانهم وشعوبهم وعن الفقراء والمقهورين , فصار الشعر عندهم جزءا من مقاومة النسيان والظلم. وفي الجهة الأخرى , عاش شعراء قرب أصحاب القوة , ومنحوا كلماتهم لمن كان يملك المال والسلطان , ثم انقضت السلطة وبقيت الكلمات شاهدة على أصحابها.
جاسم محمد علي المعموري