من يتهمني بالايمان بنظرية المؤامرة اقول, نعم, انا اؤمن بنظرية المؤامرة, ولكن ليس كل حادث سببه مؤامرة ,وانما بالمعنى الذي علمنا اياه التاريخ, فكثير من الحروب والانقلابات والاغتيالات والعمليات الاستخبارية وحملات التضليل بدأت خططاً سرية انكرتها الدول, ثم كشفت الوثائق حقيقتها بعد سنوات, ولذلك, حين تتجمع احداث متلاحقة وقرائن مترابطة ومصالح واضحة, يصبح من حقنا ان نسال, هل نحن امام مصادفة , ام امام شيء دُبّر بليل؟
ما وقع لطائرة فلاي دبي المتجهة من دبي الى تل ابيب في 30 سبتمبر 2026 لا يمكن قراءته سياسيا بمعزل عما سبقه, فقبل ثلاثة ايام فقط كان نتنياهو في زيارة سرية الى ابوظبي برفقة رئيس الموساد وكبار المسؤولين الامنيين وكانت ايران- بحسب مسؤولين اسرائيليين - في صلب مباحثاته مع محمد بن زايد, وفي الوقت نفسه عاد ملف شديد الخطورة ليلاحق نتنياهووهو ماذا كان يعرف قبل هجوم السابع من اكتوبر 2023, وماذا فعل بالتحذيرات المصرية والاماراتية التي تحدثت عنها مصادر متعددة؟
فقد نشرت (ذي اتلانتيك) معلومات عن زيارة رئيس المخابرات المصرية انذاك عباس كامل الى اسرائيل قبل الهجوم باحد عشر يوما, محذرا من ان غزة تقترب من انفجار وان حماس تستعد لعمل كبير, كما تحدثت عن استمرار التحذيرات المصرية حتى الايام الاخيرة السابقة للهجوم. وظهرت بالتوازي تقارير تفيد بان محمد بن زايد حذر نتنياهو ايضا من عملية كبيرة تعد لها حماس, وينفي مكتب نتنياهو تلقي هذا التحذير, لكن وكالة اسوشيتد برس نقلت عن مصدر مطلع على زيارته الاخيرة الى أبوظبي انه طلب من محمد بن زايد نفي رواية التحذير, وهو ما ينفيه مكتبه ايضا.
وهنا تكتسب الزيارة السرية معنى مهم, فنتنياهو لم يذهب وحده, بل رافقه رئيس الموساد ورئيس مجلس الأمن القومي ومسؤولون كبار, وقال ثلاثة مسؤولين اسرائيليين ان اجتماعه بمحمد بن زايد استمر نحو ست ساعات وتركز على ايران, وبذلك اجتمع في ابوظبي ملفان شديدا الحساسية وهما مسؤولية مجرم الحرب نتنياهو عن تجاهل التحذيرات السابقة للسابع من اكتوبر, ومستقبل المواجهة مع ايران.
وفي الخلفية كان الطيران المدني الايراني قد اصبح بالفعل جزءا من هذه المواجهة, ففي الثامن من سبتمبر فرضت الولايات المتحدة عقوبات واسعة على قطاع الطيران الايراني, ثم اوقفت الامارات في الرابع والعشرين من الشهر نفسه رحلات شركات الطيران الايرانية من اراضيها واليها. وبعد ستة ايام فقط وقع حادث فلاي دبي.
كانت الرحلة متجهة الى تل ابيب وتحمل – كما يقول نتنياهو, ركابا غالبيتهم من الاسرائيليين, واظهرت بيانات تتبعها هبوطا حادا بنحو اربعة عشر الف قدم خلال اقل من ثلاثين ثانية, ثم ارسلت اشارات طوارئ قبل ان تتجه الى السعودية وتهبط في تبوك.
لكن الذي لفت نظري لم يكن الحادث بذاته, بل سرعة بناء الرواية حوله, ففي البداية قال متحدث باسم مكتب نتنياهو لرويترز ان الحادث لا يعتقد انه اختطاف ووصفه بانه (حادث مختلف) وبعد ساعات أعلن النتنياهو ان مساعد الطيار, الذي قال مسؤول اسرائيلي انه عماني الجنسية, طعن الطيار وحاول اسقاط الطائرة, وان الركابا وأحد افراد الطاقم سيطروا عليه, ثم قال مسؤولون اسرائيليون ان ما حدث كان محاولة (هجوم ارهابي) متعمد.
وهنا تكمن المفارقة فالطائرة هبطت في السعودية, والمشتبه به في السعودية, والتحقيق سعودي, لكن الرواية السياسية الاكثر اكتمالا خرجت من اسرائيل قبل اعلان نتائج التحقيق السعودي.
فكيف استطاعت اسرائيل بهذه السرعة تحديد ان الدافع (ارهابي)؟ واذا كانت تمتلك ادلة, فمن اين حصلت عليها قبل اكتمال استجواب المشتبه به؟ ولماذا انتقلت الرواية بهذه السرعة من (ليس اختطافا) الى (هجوم ارهابي)؟
لا اريد ان انكر محاولة اسقاط هذه الطائرة فالمعلومات المتاحة تشير الى حادث بالغ الخطورة داخل غرفة القيادة, لكن وقوع الاعتداء شيء, وتحديد دوافع صاحبه وانتمائه شيء اخر, لذلك اسأل لماذا سارعت اسرائيل الى تحديد هوية ارهابية للحادث قبل ظهور نتائج التحقيق؟
وعندما نضع الوقائع الى جانب بعضها تتضح الصورة ,فزيارة سرية لنتنياهو الى ابوظبي قبل ثلاثة ايام من الحادث, ورئيس الموساد ضمن الوفد, وايران في قلب المباحثات, وملف التحذيرات السابقة للسابع من اكتوبر يلاحق نتنياهو, وعقوبات اميركية تضرب الطيران الايراني, والامارات توقف رحلاته, ثم يقع حادث لطائرة اماراتية متجهة الى اسرائيل, وتسبق اسرائيل التحقيق السعودي الى وصفه بانه (هجوم ارهابي).
هذه القرائن تثبت ان هناك شيء ما يتم تدبيره ليخدم اتجاهين في الوقت نفسه وهي داخليا ابعاد الانظار عن السؤال الذي يلاحق نتنياهو بشان التحذيرات السابقة للسابع من اكتوبر, واقليميا فتح الطريق امام رواية تربط الحادث بايران بما يبرر مزيدا من عزلها وعزل طيرانها وتعزيز التعاون الامني ضدها وربما اعلان الحرب عليها مرة اخرى ,ولهذا فإن الخطوة التالية هي الاهم, فاذا بدأ الحديث عن صلة ايرانية بمساعد الطيار, فما هو الدليل علةى ذلك؟ هل توجد اتصالات او تعليمات او تحويلات مالية او علاقة تنظيمية, أم سيأتي الاتهام اولا ثم يبدأ البحث عن الادلة؟
حتى الان لا يوجد دليل منشور يربط ايران بالحادث, لكن سرعة الرواية الاسرائيلية وتوقيتها, وما سبقها في ابوظبي, تجعلني اراقب صناعة هذه الرواية المزعومة ,وقبل ان يتهموا ايران , علينا ان نلاحظ مبكرا من يصنع الرواية, ومتى يصنعها, ولماذا, ومن المستفيد منها, اما اذا اتجهت الرواية في الايام المقبلة الى ايران قبل ظهور دليل مستقل, فعلينا ان نعود الى ابوظبي ونقرا الاحداث كلها من جديد.
جاسم محمد علي المعموري