جاسم محمد علي المعموري

جاسم محمد علي المعموري

الفكر والسياسة

تاريخ النشر: 2026-09-19

في 17من ايلول 2024 استهدفت اسرائيل وسيلة اتصال يستخدمها حزب الله وهي البيجرات وهو حدث غير مسبوق في تاريخ الحروب الحديثة, ففي لحظة واحدة انفجرت الاف اجهزة البيجر التي كانت موزعة في مناطق مختلفة من لبنان, وانفجرت الاجهزة في البيوت والشوارع والمتاجر واماكن العمل وبين الناس. وفي اليوم التالي تكررت الماساة مع اجهزة اتصال لاسلكية اخرى, والنتيجة كانت عشرات القتلى والاف الجرحى ومئات الاصابات الخطيرة التي طالت العيون والوجوه والأيدي والأطراف وتركت المصابين يعنون من اعاقة دائمة بقية حياتهم .
في اليوم الاول وحده قتل ما لا يقل عن اثني عشر شخصا بينهم طفلان وعاملون في القطاع الصحي واصيب اكثر من 2800 شخص, وعند احتساب موجتي التفجيرات في يومي 17 و18 ايلول ارتفعت الحصيلة الى نحو اربعين قتيلا واكثر من ثلاثة الاف جريح, ولم تكن خطورة العملية في عدد الضحايا وحده, فقد تركزت نسبة كبيرة من الاصابات في الوجه والعينين واليدين لان بعض الاجهزة اصدرت اشارات قبل انفجارها فحملها اصحابها او قربوها من وجوههم لمعرفة الرسالة التي وصلت اليهم, وهكذا تحولت حركة بشرية عادية لا تستغرق سوى ثوان الى سبب لفقدان عين او يد او اصابع او اصابة في الوجه والراس.
المشاهد التي نقلتها المستشفيات اللبنانية تكشف وجها اخر لهذه العملية ,فأطباء العيون تحدثوا عن اعداد من الاصابات لم يشهدوا مثلها في حياتهم المهنية, وبعض المصابين فقد عينا وبعضهم فقد العينين. واخرون تعرضوا لبتر الاصابع والايدي او لاصابات شديدة في الوجه والبطن, وبعد مرور اشهر ظل عدد من الناجين يخضعون لعمليات جراحية وعلاج طويل في محاولة لانقاذ ما يمكن انقاذه من البصر او الاطراف المصابة, ولهذا فان عدد الجرحى لا يعبر وحده عن حجم الماساة, وانما كل انسان منهم تغيرت حياته وعائلتة تحملت معه اثراً قد يستمر عشرات السنين.
السؤال الاخطر هنا ليس عن هوية الاشخاص الذين كان يفترض ان تستهدفهم العملية فقط, وانما هو كيف يمكن لمن فجر الاف الاجهزة عن بعد ان يعرف مكان كل جهاز في لحظة التفجير ومن كان يحمله ومن كان يقف بجانبه, قد يكون الجهاز في يد مقاتل, وقد يكون على طاولة في منزل, وقد يكون في متجر مكتظ بالناس, وقد يحمله موظف يعمل في مؤسسة مدنية, وقد يكون طفل او زوجة او زميل واقفا على بعد سنتيمترات منه, وهذه ليست احتمالات نظرية لأن التفجيرات وقعت بالفعل في اماكن مدنية وبين اشخاص مدنيين وسقط بينها اطفال وعاملون صحيون.
وهنا تقع المسألة في صميم القانون الدولي الانساني, فقوانين الحرب لا تمنح اي طرف حرية استخدام اي وسيلة لمجرد ان الهدف المقصود ينتمي الى جماعة مسلحة, هناك مبدأ اساسي يفرض التمييز بين المقاتلين والمدنيين, وهناك واجب باتخاذ الاحتياطات الممكنة لحماية المدنيين, وهناك حظر للهجمات العشوايية, كما توجد قواعد دولية خاصة بالافخاخ والاجهزة التي تبدو في ظاهرها اشياء محمولة غير موذية بينما تخفي في داخلها مواد متفجرة.
لهذا طالبت منظمة العفو الدولية بتحقيق دولي مستقل, وخلصت بعد فحص الصور ومقاطع الفيديو وشهادات الشهود الى ان من خطط للعملية لم يكن يستطيع التحقق ممن يحمل كل جهاز او ممن يوجد بالقرب منه ساعة التفجير, وقالت المنظمة ان الهجمات اذا ثبتت المسؤولية عنها في سياق النزاع المسلح كانت عشوائية وغير مشروعة وينبغي التحقيق فيها باعتبارها جرايم حرب, كما اكد مفوض الامم المتحدة السامي لحقوق الانسان ان تفجير الاف الاجهزة بصورة متزامنة من دون معرفة من كان يحملها ومكان وجوده والاشخاص المحيطين به يخالف القانون الدولي لحقوق الانسان ويخالف القانون الدولي الانساني حيث يكون منطبقا.
ولم تعد مسألة الجهة التي نفذت العملية في المستوى نفسه من الغموض الذي كان موجودا في الساعات والايام الاولى, ففي البداية رفضت اسراييل التعليق رسميا على مسؤوليتها, وبعد ذلك اعلن متحدث باسم مكتب رئيس الوزراء الاسراييلي بنيامين نتنياهو ان نتنياهو وافق على عملية البيجر, كما كشفت تحقيقات صحفية تفاصيل عن زرع مواد متفجرة داخل الاجهزة والتلاعب بسلسلة توريدها قبل وصولها الى لبنان.
ان خطورة ما حدث تتجاوز لبنان وحزب الله واسراييل, نحن امام سابقة اجرامية وخطيرة يمكن ان تغير معنى الأمان في الحياة المدنية اذا جرى التعامل معها باعتبارها مجرد نجاح استخباري وتقني, فحين تتحول اجهزة الاتصال التي يحملها الناس في جيوبهم الى الغام مخفية يمكن تفجيرها عن بعد فإن الفصل او الفرق بين ساحة الحرب والبيت والمتجر والمستشفى يصبح منعدما,
ولا يغير من هذه الحقيقة القول ان غالبية الاجهزة كانت مخصصة لاعضاء حزب الله او العاملين في موسساته, فالانتماء الى موسسة او حيازة جهاز اتصال لا يحول الانسان تلقاييا الى هدف عسكري مشروع, وحتى عندما يكون الشخص مقاتلا فان القانون لا يسقط واجب التمييز ولا يلغي حماية المدني الموجود بجانبه, والقضية تصبح اشد خطورة عندما يكون السلاح قد وزع مسبقا ثم فقد منفذ الهجوم القدرة على معرفة مكانه الدقيق والاشخاص المحيطين به عند لحظة التفجير.
لقد تركت تفجيرات البيجر وراءها ما هو ابعد من حصيلة القتلى والجرحى تركت مئات الوجوه والعيون والايدي شاهدا على شكل جديد ومخيف من اشكال جرائم الحرب. وفتحت بابا قانونيا واخلاقيا لا يجوز اغلاقه تحت عنوان التفوق الاستخباري او النجاح العسكري, فالنجاح التقني لا يمنح الشرعية القانونية, والقدرة على الوصول الى الخصم لا تمنح الحق في تعريض كل من يوجد حوله للخطر.
لهذا فان التحقيق الدولي المستقل يجب ان يؤدي الى معاقبة المجرمين لأنه ليس مسألة سياسية بل هو قانون يجب ان يسري على الجميع وانه ضرورة لمعرفة كيف زُرعت المتفجرات وكيف وُزعت الاجهزة وكيف اتُخذَ قرار التفجير الجماعي وما المعلومات التي كانت متوافرة عن حامليها وعن وجود المدنيين حولهم, وعلى اساس هذه الوقايع وحدها يمكن تحديد المسؤولية الجنايية الفردية وتوصيف الافعال توصيفا قانونيا نهائيا.
ما جرى في لبنان في 17 و18 ايلول 2024 يجب الا يتحول الى سابقة مقبولة في حروب المستقبل, لأن قبول تحويل اداة مدنية محمولة الى فخ متفجر ثم تفجير الاف النسخ منها في اللحظة نفسها من دون معرفة دقيقة بمن يحملها ومن يقف حولها يعني فتح باب يصعب اغلاقه, ومن هنا تاتي اهمية المساءلة ليس من اجل ضحايا لبنان وحدهم, بل من اجل قاعدة انسانية يفترض ان تبقى واضحة مهما تغيرت وسائل الحرب.
جاسم محمد علي المعموري
17-9-2026

شارك هذا المقال

فيسبوك واتساب