جاسم محمد علي المعموري

جاسم محمد علي المعموري

الفكر والسياسة

تاريخ النشر: 2025-11-16

هناك ظاهرة عجيبة غريبة ,كأنها غبار جهل يهب من فج عميق يغمر الساحة الفكرية العراقية بما لا يمت بصلة الى التاريخ ولا التراث ولا أصالة الهوية ,ويقف المرء مذهولا أمام جيل جديد من الشيوعيين عبارة عن نماذج غريبة هجينة لا تفهم شيئا ولا تدري انها لا تفهم ,ولا تعرف من السياسة الا السباب , ولا من التاريخ إلا الشتائم المتناثرة كالرصاص الطائش الذي لا يصيب إلا أرواح الابرياء.. جيل من التائهين لا يقرؤون ولا يكتبون ولا يسمعون الا صدى غضبهم الداخلي الذي لا يعرف له سببا واضحا ,هؤلاء لا يعارضون الاسلام من موقع نقدي معرفي ,ولا من زاوية تحليل فلسفي, وانما يعادونه لأنهم لا يعرفونه ,ولا يعرفون أنه كان أول من نادى بالمساواة الحقيقية لا شعارات مزيفة ولا كلمات منمقة, بل فعل تطبيقي ترجم تلك القيم إلى واقع ,فعاش الناس والاديان المختلفة جنبا إلى جنب دون تمييز لا في اللون ولا في العرق ولا في المال ,ولم يكن فيهم امير يتكبر ولا عبد يُستضعف..
هذه الموجة الجديدة من العدوانية تجاه الاسلام ليست فكرا ,وليست نقدا ,إنما هي تجلٍّ صارخ للجهل المركب.. ما يؤلم ان هؤلاء لا يفهمون حتى منطق الحوار ,إنهم يعتبرون الرأي المخالف عدوا شخصيا يستحق الإقصاء ,وهذا ليس من حرية الفكر في شيء, بل هو طغيان جديد بلبوس الحرية ,وديكتاتورية تلبس قناع الحداثة ,بينما هي لا تختلف في جوهرها عن الاستبداد الفكري الذي يتوهم أنه يملك الحقيقة المطلقة ,ومن ثم يحق له ان يسخر من مخالفيه ,ويحقرهم كما كان يفعل البعثيون ومازالوا..
كيف يُعقل ان شبابا لا يعرف شيئا عن علم الكلام ولا الفلسفة ولا مناهج العلوم الإسلامية يعترض على تراث عمره ما يقارب الخمسة عشر قرنا دون أن يقرأ سطرا واحدا منه ,وهم يرددون مقولات جاهزة مستوردة من نماذج غربية لم يفهموها ,ولم يحاولوا حتى ان يتفكروا فيها , إنهم يقلدون الغرب حتى في عدائه للاسلام ,ولكنهم ينسون أن ذلك الغرب نفسه قد أخذ من الإسلام ما أقامه ,وأعلى بنيانه ,فإن كنت تراهم يتحدثون عن العدالة الاجتماعية ,فاعلم ان ذلك موجود في الإسلام منذ أول سورة نزلت ,وإن كنت تراهم يسنون القوانين لحماية الحيوان ,فاعلم ان نبي الاسلام حذر من تعذيب الهرة والنملة ,بل وحث على السقي والرفق بكل نفس, وان الاسلام اوجب التيمم حتى مع وجود الماء خوفا من تعرض دابة للعطش ,وإن كنت تراهم يدفعون الضرائب لبناء البنية التحتية ,فاعلم ان الزكاة والخُمس أُسّسا لذلك قبل ان تكون أوروبا تعرف شيئا عن النظام الاقتصادي العادل...الخ.
إن الحضارة الغربية اليوم مدينة للاسلام ليس باعتراف المسلمين فقط , وانما باعتراف كبار مفكري الغرب أنفسهم ,فكم من كتاب صدر في الجامعات الاوروبية يَدرسُ أثر الحضارة الإسلامية على النهضة الأوروبية ,وكيف أن العرب المسلمين كانوا همزة الوصل بين التراث اليوناني والروماني وبين أوروبا القرون الوسطى التي كانت غارقة في الظلام ,وإن ما خرجت به من فجر جديد كان بفضل إشراقات ذلك العقل الاسلامي الذي لم يكن منغلقا ولا جامدا ,بل كان منفتحا باحثا منتجا.. لكن أنى لهؤلاء ان يدركوا ذلك ,وهم لم يفتحوا كتابا في حياتهم , ولم يسمعوا إلا ما يقوله أحد مشاهير مواقع التواصل ممن يصرخون ليُسمَعوا ولا يَسمَعون أحدا من الناس , هؤلاء أميون في التاريخ لا يعرفون شيئا عن ممالك الاسلام ولا عن حضارته ولا عن تجاربه السياسية الثرية, ولا عن مدنه التي كانت تنشر النور في العالم ,بينما كانت باريس ولندن لا تزال تغرق في الأوساخ والأمراض والجهل والظلام ..
ان ما نراه اليوم من شتائم بذيئة على الاسلام ليس إلا عجزا نفسيا ألبسوه ثوبا فكريا وما هو بفكر ,وانما هو صراخ الضياع حين لا تجد النفس جذرا تستند إليه ,فتنقلب على كل الجذور وكأنها تظن أنها بذلك تتحرر, بينما هي تهيم في الفراغ ,هؤلاء لا يعرفون العراق ولا تاريخه ولا دجلته ولا فراته ولا سامراءه ولا كربلاءه ولا بصرته ولا كوفته ولا بغداده التي كانت درة الدنيا ,وعاصمة العلم والمعرفة , بل لا يعرفون حتى أنفسهم حين يصيحون بأصوات مستعارة في ظلال صفحات صفراء ملأى بالتحامل والضغينة نتيجة الجهل المقيت.
كم هو مؤلم أن ترى من يشتم الاسلام وهو لا يعرف الفرق بين العصر الأموي والعباسي ,ولا بين الفقه والكلام ,ولا بين العقيدة والفلسفة , ويظن أن الاسلام رجل ملتحٍ فقط ,أو حكاية ساذجة سمعها من جدته, إن الإسلام ليس طقسا دينيا فحسب ,بل هو حضارة متكاملة أنتجت فكرا وفلسفة وأدبا وعلما وفنونا ,ولا يزال العالم ينهل من بحره العذب إلى اليوم ,ولكن عميت قلوب قوم قبل أن تعمى أبصارهم.
إن نقد الإسلام ليس محرما ,بل هو مطلوب إن كان نابعاً من العقل والفهم لا من الجهل والتقليد والضغينة ,وان الاسلام ذاته لا يخشى النقاش ,بل يرحب بالحوار الشريف , ويحترم الانسان لكونه إنساناً , لكن هؤلاء لا يريدون نقاشا , بل يريدون استهزاءً ,ولا يريدون رأياً ,بل صراخا مجنونا لا هدف له الا تدمير كل مقدس في وجدان هذه الأمة.
وإذا كان الغرب قد تطور اليوم ,كما يزعمون , فلأنه أخذ من الاسلام قيمه الكبرى , ثم أضاف إليها أدواته ووسائله ومنهجه العلمي ,فلم ينطلق من العدم ,ولم يولد من الفراغ ,وإنما نهل من تراث الأمم, وفي مقدمتها تراث المسلمين ,وإن ما نراه اليوم من مظاهر التقدم ليس نهاية الطريق , بل هو بناء بدأ يوم قرر المسلم أن يبحث ويجرب ويخترع ويدوّن.
فيا هؤلاء الجدد الذين تدعون ماهو خلاف الوعي بالوقائع المُبينة ,والحقائق المتينة ,لا تشتموا ما لا تفهمونه ,ولا تسخروا مما لم تقرؤوه ,ولا ترفعوا شعار العقل وأنتم لم تمارسوه يوما ,ولا تتكلموا باسم الحرية وأنتم أول من يخنقها ,ولا تهاجموا الاسلام لأنكم لا تملكون ما تقولونه غير الهجوم, ان النقد يحتاج الى عقل وأنتم لم تستعملوا عقولكم بعد , فعودوا الى الدرس.. عودوا الى الكتب ..عودوا الى التاريخ ..عودوا الى التراث ,واقرأوا الاسلام من مصادره لا من تغريدات الحاقدين , عندها فقط قد تفهمون أن الإسلام لا يحتاج الى من يدافع عنه ,بل أنتم من يحتاج الى الإسلام عسى ان تفهموا شيئا من الحكمة والانصاف في زمن التهكم الفارغ..
ويا هؤلاء الشباب الذين يدّعون الانتساب إلى الشيوعية ,لا تجعلوا من أنفسكم نسخة مشوهة من داعش المقيتة عقيدة ومنزلة ,اوالبعثية الهزيلة فكرا وعملا , فالاسلام ليس عدواً للفكر, بل هو فكر, وليس خصما للحرية, بل هو من أرسى قواعدها, ومن لم يقرأ ذلك, فليصمت حتى يتعلم, فإن الصمت أكرم من الجهل, وأقرب الى الحكمة من الشتيمة.
ولعلكم إن قرأتم بصدق ,وفكرتم بتواضع ,وتحاورتم بأدب ,أدركتم ان الاسلام ليس عدوكم ,بل هو ربما الجسر الأخير المتبقي بينكم وبين القيم العليا ,وبين الإنسان الحقيقي في داخلكم وبين خالقه , ذلك الانسان الذي أضاعه صراخ الجهل وغرور الجحود..
جاسم محمد علي المعموري

شارك هذا المقال

فيسبوك واتساب