جاسم محمد علي المعموري

جاسم محمد علي المعموري

البحوث الإسلامية

تاريخ النشر: 2026-01-08

منذ سنين خلت, كنت استمع بصورة متواصلة الى سورة القصص بصوت الشيخ محمد صديق المنشاوي رحمه الله, صاحب الصوت العذب الشجي , - ويبدو ان حبي للقران - منذ طفولتي - وقراءته والاستماع اليه يعود الفضل فيه الى الله سبحانه والى والدي رحمه الله الذي علمنيه ,وربما كان كل ذلك سببا اساسيا في دراستي الجامعية الاكاديمية لعلوم القران والحديث - وكانت قصة قارون من المواضع التي تستوقفني كلما بلغ القارئ الشيخ المنشاوي قوله تعالى ( قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي) ولا أدري لماذا أخذت كلمة (عندي) على قصرها وبساطتها تستقر في ذهني أكثر من غيرها, حتى دفعتني مع مرور الوقت الى جمع الآيات التي تحدثت عن قارون وقراءتها في سياق واحد, ثم مراجعة ما تيسر لي من كتب التفسير والنظر في المعاني التي ذكرها المفسرون لهذه الآيات, ومع استمرار التأمل استقر عندي ان (عندي) لا تكشف عن موقف عابر لرجل أغناه الله فطغى فحسب, وانما يمكن ان تكشف عن مرض نفسي واخلاقي قابل لأن يصيب أي انسان, وان هذا المرض يستحق ان يكون له اسم يحدد معناه ويميزه عن العُجب والكِبر والجحود, وإن كان يلتقي بها ويفضي الى بعضها. ومن هنا أسمي هذه الحالة (العِنديّة), بكسر العين, محاولا بناء مفهوم أخلاقي قرآني له حدوده ودلالته, وهوحالة تتضخم فيها رؤية الانسان لذاته حتى ينسب ما أوتي من علم او مال أو نجاح او قدرة الى نفسه وأسبابها, وهذه النسبة الى الذات هي نسبة تحجب كليا أو جزئياً, فضل الله وإحسانه وتوفيقه, وقد تحجب كذلك أفضال الناس الذين أسهموا في وصوله إلى ما وصل إليه..
ولعل أجمل ما يكشف هذا المعنى هو ان القرآن حدد مصدر ثروة قارون قبل ان يترك له فرصة الحديث عنها, فقال تعالى (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ) القصص 76, فالقرآن يقول (وَآتَيْنَاهُ), ثم يقول الناصحون لقارون (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ) ويُذكّرونَهُ مرة أخرى (وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ)القصص 77 ,لكن قارون حين يتكلم عن نفسه يقول (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي) القصص 78, وبين (آتيناه) و(عندي) تكاد تُختصرُ القضية كلها, فالله يتحدث عن عطاء, والناصحون يتحدثون عن إحسان الله, بينما يتحدث قارون عن ذاته وعلمه.
وقد تنوعت أقوال المفسرين في المراد من (العلم) الذي ادعاه قارون, فقيل إنه علم استحق به المال, وقيل معرفته بوجوه التجارة وتنمية الثروة, وقيل غير ذلك. غير ان الجامع بين عدد من هذه الأقوال أن قارون جعل ما عنده من علم أو فضل تفسيراً لما وصل إليه, حتى جاء في بعض التفاسير ان معنى قوله قريب من (حصلت عليه بإدراكي وسعيي.) وليس الاعتراض القرآني على العلم ولا على السعي, فالإنسان مأمور بالعمل والسعي , ولا معنى لإنكار الأسباب التي جعلها الله في الحياة, إنما يبدأ الخلل حين تتحول الأسباب من وسائل الى مصدر مستقل, وحين لا يعود الإنسان يقول (وفقني الله فاجتهدت فوفقني الله) ,وانما يستقر في نفسه, تصريحاً أو تلميحا ًاو ضمناً (أنا وحدي صنعت ما أنا فيه).
وهنا تظهر دقة مفهوم العِنديّة, فليس المقصود بها الثقة بالنفس, وليس معرفة الانسان بقيمة عمله, وليس فرحه بثمرة سنوات من التعب, لأن من حق العالم أن يعرف أنه عالم, ومن حق الناجح أن يعرف مقدار الجهد الذي بذله, ومن حق صاحب المال أن يعلم ان حسن إدارته كان له أثر في تنمية ماله, لكن هناك مسافة بين ان يعرف الانسان أصل جهده وهو توفيق الله وبين أن يرى جهده أصلاً مستقلاً لما حصل عليه, ففي الأولى اعتراف بالسبب, وفي الثانية يختل السبب حتى يحجب مسبب الأسباب سبحانه ,ومن هذه المسافة الصغيرة قد تبدأ العِنديّة.
ولهذا تبدو العِنديّة قريبة من الجحود, ولكنني لا أراها مرادفة له تماماً, فالجاحد ينكر - تماما - الفضل أو النعمة, أما العِندي فقد يقوم بحركة أخرى أكثر خفاءً.. إنه يعيد نسبة الفضل إلى نفسه, ولعل الفرق يمكن اختصاره بالقول إن الجحود ينفي الفضل, أما العِنديّة فتستولي عليه وقد لا ينكر صاحبها الله, بل ربما يكون مؤمناً به, ولكنه عندما يروي للناس قصة نجاحه لا يكاد يرى فيها إلا نفسه فيقول أنا فعلت كذا وكذا , وأنا صنعت كذا وكذا , وأنا حققت كذا وكذا , ولولا علمي لما حدث هذا, ولولا مالي لما تم ذلك, ولولاي لما نجح هؤلاء, ومع تكرار (أنا) يبدأ الآخرون بالاختفاء فلم يعد يراهم, ثم يضعف حضور التوفيق والنعمة, حتى تصبح الذات هي الفاعل وصاحب الفضل وصاحب الحق في آن واحد.
والقرآن لا يواجه هذه الحالة بحرمان الإنسان من الدنيا, بل يقدم توازناً بالغ الدقة (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ)القصص 77, فلم يطلب احد من قارون أن يتخلص من ثروته, ولم يقل له الناصحون إن الغنى في ذاته خطيئة, بل قالوا له (وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) المشكلة إذن ليست فيما يملك الإنسان, وإنما في علاقته بما يملك, وفي الصورة التي تتكون داخله عن مصدره ووظيفته.
وتأتي عبارة (وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ) لتضع العلاج في الموضع نفسه الذي ينشأ فيه المرض, فأنت قادر على الإحسان لأن إحساننا سبقك, وقادر على العطاء لأننا أُعطيناك, وقادر على تعليم غيرك لأننا علمناك وأُعطيناك العقل والقدرة والفرصة, وهذا الإدراك لا ينتقص من الإنسان,وانما يعيد الأشياء إلى أحجامها الحقيقية. فالنعمة حين يفهمها الانسان بوصفها إحساناً من الله تولّد الشكر والمسؤولية, أما حين يفهمها بوصفها شهادة على تفوق الذات واستحقاقها فقد تتحول إلى مادة للعُجب والاستعلاء.
ولم تبق (عندي) فكرة مستترة في نفس قارون, بل خرجت بعد ذلك إلى المجال الاجتماعي في مشهد سجله القرآن بكلمات قليلة (فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ )القصص 79, وهذه الآية ليست- في نظري القاصر- تفصيلاً ثانويا في القصة, فما كان في الداخل (عندي) أصبح في الخارج (زينته) لم يعد الأمر متعلقاً بالطريقة التي يفسر بها قارون ثروته فحسب, بل بالطريقة التي يريد أن يراه الناس بها أيضا, وكان للمشهد أثره, إذ قال الذين يريدون الحياة الدنيا (يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ).
هنا دخل العُجب والكبر الى المشهد, ولكن ينبغي ألا نخلط بينهما وبين العِنديّة, فالعِنديّة نسبة الفضل الى الذات او النفس ,والعجب يبدأ حين يستعظم الانسان ما في نفسه وما يصدر عنها, أما الكبر فيكتمل عندما يدخل الآخر في المقارنة فيرى الإنسان نفسه أعلى من ذلك الاخر, ولذلك يمكن أن تكون العِنديّة أرضاً خصبة للعجب, ثم يصبح العجب طريقاً الى الكبر, ويخرج الكبر في صورة تباهٍ واستعلاء ( المتكبر كرجل فوق جبل يرى الناس صغارا ويرونه صغيرا )*,ولا يلزم ان يبلغ كل صاحب عِنديّة نهاية هذا الطريق, لكن قارون يعرض أمامنا صورة تكاد تجمع مراحل ذلك الطريق (عِلْمٍ عِندِي) ثم (فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ), ثم تأتي في نهاية هذه الصور القرانية قاعدةُ (لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا) القصص 83.
وهذا المعنى يجد ما يسنده في تراث أهل البيت عليهم السلام. فقد حذر أمير المؤمنين علي عليه السلام مالك الأشتر من الإعجاب بالنفس والثقة بما يعجب الانسان منها وحب الاطراء, وعد ذلك من المواطن التي ينفذ منها الشيطان الى النفس فيمحق إحسان المحسنين. كما ورد في الكافي عن الإمام الصادق عليه السلام (من دخله العجب هلك), وورد عن أبي الحسن عليه السلام في بيان درجات العُجب, ان من درجاته أن يؤمن العبد بربه ثم يمن على الله بإيمانه, مع أن المنة لله عليه, وهذا النص الأخير يفتح أمام مفهوم العِنديّة باباً أوسع من المال, فالإنسان قد يصل الى درجة لا يرى فيها حتى إيمانه وطاعته نعمة تستوجب الشكر, وإنما إنجازاً يمنّ به على ربه ( فكيف لي بتحصيل الشكر, وشكري اياك يفتقر الى شكرك) الصحيفة السجادية ,وهنا تناقض شديد للعندية, ذلك المرض الفتاك .
وهنا ايضا تتضح خطورة المرض اكثر, لأن قارون ليس بالضرورة رجلا غنيل فحسب, فيمكن أن تظهر العِنديّة في العالِم حين يتصور أن علمه خلقه بنفسه, وفي الكاتب حين ينسى كل من علمه وأعانه وفتح له طريقا, وفي صاحب السلطة حين يتخيل ان المؤسسة والناس لا يقومون إلا به, بل قد تدخل على العابد من الباب الذي يظنه أبعد الأبواب عنها, فيعجب بعبادته ويرى لنفسه على الله وعلى الناس فضلا.
وقد تناول علماء الأخلاق هذا المعنى عند حديثهم عن العُجب, ومن ذلك ما قرره المولى محمد مهدي النراقي في جامع السعادات من أن الانسان إذا عرف ان قدرته وإرادته وأعضاءه والأسباب التي يتم بها عمله نِعَمٌ من الله, لم يعد موضع إعجابه هو ذاته, بل يتحول نظره الى جود الله وفضله, وهذه الملاحظة شديدة القرب من جوهر ما نسميه هنا العِنديّة, وإن كان النراقي يتحدث عن (العُجب) ولا يستعمل المصطلح الذي نقترحه, وهذا بالضبط ما يساعد على تمييز المفهومين فالعُجب وصف لاستعظام الإنسان نفسه أو نعمته, أما العِنديّة فتركز على الخلل الذي وقع قبل ذلك أو معه في نسبة النعمة والفضل إلى الذات.
والقرآن نفسه يمنعنا من حصر هذه الظاهرة في شخص قارون, بل انه يمنعنا دائما من حصر المعنى في مصداق واحد ,إذ يقول في سورة الزمر (فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)الزمر 49 والمذكور هنا في هذه الاية ليس قارون, وإنما الإنسان , وعدم وجود كلمة (عندي) في هذه الآية لا يغير البنية النفسية للموقف, فالنعمة تأتي من الله(خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا) ثم يعيد الإنسان تفسيرها (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ) ,ولعل هذا من اكثر وجوه العِنديّة التصاقاً بحياتنا, فالانسان يعرف ضعفه عندما تتعطل الأسباب, لكنه قد ينساه حين تعمل لمصلحته, فعندما يمرض يدعو الله, وعندما يخاف يستعين بالله, وعندما تضيق به السبل يشعر بوضوح بأنه محتاج لله , ثم إذا انفرجت الشدة وعاد قوياً آمنا ناجحاً فانه سرعان ما ينسى الله ,وينسب الفرج الى نفسه. فدعاؤه وتضرعه بالأمس وقوله (يا رب) قد ينساه بعد دقايق ويقول (أنا عرفت كيف أخرج من الأزمة) ,وليس الخلل في أنه تصرف وأحسن التصرف, بل في ان ذاكرة النجاح قد تمحو أحياناً ذاكرة الاحتياج.
ثم تأتي نهاية قارون لتُسقِطَ وهم الاستقلال دفعة واحدة (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ) القصص 81 والذي قال قبل قليل (عندي) لم يعد عنده في لحظة الخسف ما يدفع به عن نفسه, والذي خرج في زينته أمام الناس لم يجد من الناس فئة تنصره, ولم تكن النهاية عقوبة على امتلاك المال, وإنما جاءت في سياق البغي والفساد والاغترار بما أوتي.
والأجمل أن القصة لم تترك المتفرجين خارج دائرة التربية, فالذين تمنوا بالأمس مكان قارون عادوا بعد أن رأوا نهايته يقولون (وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا)القصص 82 لقد تغيرت لغتهم تماماً , فقبل لحظات كان مركز الصورة قارون وحظه العظيم اما الان اصبح مركزها الله الذي يبسط ويقدر ويمنّ ,وكأن الخسف لم يصحح خطأ قارون بعد فوات الأوان فحسب, بل صحح نظرة الذين كانوا مفتونين به.
وبعد ذلك مباشرة يقول تعالى (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)القصص 83 ,ولعل التعبير بـ(لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا) من أدق ما في نتيجة الفعل, لأنه يعيدنا من المظهر الخارجي إلى الداخل مرة أخرى, فالعلو يبدأ إرادة في النفس قبل أن يصبح سلوكا, مثلما بدأت العِنديّة نظرة الى الذات قبل أن تتحول الى خروج في الزينة وتباهٍ أمام الناس.
وعلى ضوء ذلك كله يمكن أن نستقر على تعريف للعِنديّة بأنها: (حالة نفسية وأخلاقية تتضخم فيها رؤية الإنسان لذاته ولأسباب قوته, فينسب ما أوتي من علم أو مال أو نجاح أو قدرة أو منزلة ,بل حتى طاعة وإيمان, إلى نفسه نسبة تحجب عنه كلياً أو جزئياً فضل الله ومنّته وتوفيقه, وقد تقوده إلى الجحود والكفران والعُجب والتباهي والكِبر والعلو على الآخرين.
ولا يعني التخلص من العِنديّة أن يلغي الإنسان ذاته أو ينكر إنجازاته. وانما المطلوب أعمق وأصعب وهو ان يرى الانسان ان كل ما عنده من الله سبحانه ولكنه سعى اليه بتوفيق من الله وهو, يرى جهده سببا, وليس إلهاً صغيرا يعبده من دون الله –وربما- دون ان يدري , والافضل ان يعرف قيمة نفسه, ولا يحتاج لكي يثبتها الى تصغير الآخرين, ويفرح بما حققه, لكنه يعرف أن وراء كل (عندي) أشياء كثيرة لم يصنعها بنفسه.
ولعل من أنفع الأسئلة التي يمكن أن يوجهها الانسان الى نفسه بعد ذلك وهو عندما انظر الى التوفيق الذي منّ الله به علي هل انسى ربي ؟ هل أتذكر الذين علموني وأعانوني ووقفوا معي؟ وهل بقي في القصة موضع لفضل الله وتوفيقه, أم أن (أنا) أخذت تتسع حتى استولت على قلبي وعقلي وضميري؟ ليست المشكلة في استعمال ضمير المتكلم (انا), وإنما المشكلة في أن يتحول إلى انانية راسخة.
وهكذا كلما عدت الى صوت المنشاوي وهو يتلو(إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي), أجد ان الكلمة التي استوقفتني كل هذه المدة الطويلة لم تكن مجرد ظرف مكان - كما يصفها النحاة - في جملة قالها رجل ثري من قوم موسى, وإنما اشارة الى شيء شديد الانسانية, شديد القرب منا, شديد الخطورة علينا, نعم قد لا تكون عندنا كنوز قارون, وقد لا نخرج على قومنا في زينته, ولكن شيئا من (عندي) يمكن أن يُولد في أي نفس حين تنسى ان ما لديها ليس منها وحدها.
ولذلك فإن نقيض العِنديّة ليس الفقر, ولا إخفاء النجاح, ولا احتقار الذات, وإنما الشكر والتواضع ومعرفة موضع الإنسان من النعمة. فانك حين تقول عملت, ولكن الله وفقني.. تعلمت ولكن الله وهبني عقلا وأتاح لي من علمني.. نجحت, ولكن نجاحي لا يجعلني أعلى من الناس.. وأن تحسن لأنك لم تنسَ أنك كنت قبل ذلك موضع إحسان. وعندها يمكن أن ينظر الإنسان إلى كل ما (عنده) من غير ان يقع في أسر (العِنديّة) وأن يسمع في داخله, كلما أوشك أن يقول (هذا مني) ذلك التصحيح القرآني الهادئ والعميق (وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ).

جاسم محمد علي المعموري
13\2\2021

المصادر والمراجع

القرآن الكريم

الكليني, محمد بن يعقوب, الكافي ج2 كتاب الإيمان والكفر باب العجب ص313 ولا سيما حديث (من دخله العجب هلك) وحديث علي بن سويد عن ابي الحسن عليه السلام في درجات العُجب.

الصحيفة السجادية , من داعاء الشاكرين

الشريف الرضي ,محمد بن الحسين نهج البلاغة, الكتاب 53 عهد امير المؤمنين علي عليه السلام الى مالك الأشتر, ولا سيما قوله في النهي عن الاعجاب بالنفس والثقة بما يعجب الانسان منها وحب الاطراء.

الطباطبائي, السيد محمد حسين, الميزان في تفسير القرآن, تفسير سورة القصص, الآيات 76–83, وتفسير سورة الزمر الآية 49.

الطبرسي, الفضل بن الحسن، مجمع البيان في تفسير القرآن, تفسير سورة القصص الآيات 76–83.
النراقي, المولى محمد مهدي جامع السعادات ج1 ص242 وما يتصل ببحث العجب وأسبابه وعلاجه

*احفظ هذا القول واذكره احيانا حين الحاجة للاستشهاد به, لكني لم اجد مصدرا ارجع اليه فيه ( المتكبر كرجل فوق.....) الا ان بعض المصادر تنسبه الى الحسن البصري بلفط اخر قريب ..

شارك هذا المقال

فيسبوك واتساب