مصرف الرافدين بؤرة للفساد الخفي في العراق
كتبت قبل مدة عن تجربتي مع مصرف الرافدين في الكوفة , حين دخلته من اجل شراء صك بمبلغ 25الف دينار ادفعه الى مديرية الجوازات , فخرجت منه وقد دفعت 37الفا , 25الفا قيمة الصك , و 12 الف دينار اخذها المصرف عمولة على هذه العملية العظيمة التي ربما احتاجت الى علماء الاقتصاد في العالم كي يفهموا كيف يكلف استبدال صك بنقد ما يقارب نصف قيمة الصك نفسه , لكنني يومها لم اكن اكترث لذلك كثيرا , كنت اظن ان الامر لا يتعدى مصرفا حكوميا متخلفا , بناية مزدحمة , شبابيك زجاجية , معاملات ورقية , وموظفاً يطلب منك ان تخرج من المصرف لتستنسخ اوراقا يحتاجها المصرف , ولم اكن اعرف انني امام نموذج مصغر لمشكلة اكبر بكثير , اسمها مصرف الرافدين والفساد الخفي الذي يدور في اروقته.
وعرفت ذلك حين حملت بطاقة هذا المصرف وسافرت بها الى الخارج , فهناك تكتشف قيمة المصرف الذي وضعت فيه مالك , وتكتشف ايضا ان المال الذي تظن انه مالك قد لا يكون تحت تصرفك حين تحتاج اليه , فقد يكون لديك مليون دينار او خمسة ملايين او اكثر او اقل , ولكن حاول ان تحصل على مالك من ماكنة صرف في اوربا او امريكا مثلا , عندها قد تكتشف انك لا تستطيع سحب اكثر من عشرين الى مئة دولار في اليوم , وهذا يعني انك تحتاج عشرة ايام اذا كان عندك ما يعادل الف دولار , وفي كل مرة هناك عمولات ورسوم , وكأنك تأخذه قطرة قطرة مثل ( ناقوط الحِب).
والمسالة هنا ليست انك ذاهب الى سفرة سياحية , تخيل انك في بلد غريب , واحتجت الى مبلغ كبير بصورة عاجلة لعلاج او حادث أو ظرف قاهر , ومالك موجود في حسابك , والبطاقة في يدك , وماكنة الصرف امامك , ولكنك عاجز عن الوصول الى مالك , فماذا تفعل ؟ تتصل بالمصرف ؟ ههههه هل انت مجنون ؟! اتصل برئيس كوريا الشمالية وسيجيبك ولا تتصل بهؤلاء وغيرهم .. تراسل بريده الالكتروني ؟ راسله وانتظر الجواب يوم القيامة , تبحث عن وسيلة اتصال حديثة تليق بمصرف يتعامل مع ملايين العراقيين ؟ ابحث كما تشاء , ثم اسأل نفسك سؤالا بسيطا جدا , كيف يمكن لمصرف يحمل الناس بطاقاته الى مختلف دول العالم ألا تكون لديه خدمة طوارئ حقيقية يستطيع صاحب البطاقة الوصول اليها حين يصبح بعيدا الاف الكيلومترات عن العراق ؟
ثم تاتي المهزلة التي يسمونها الخدمات الالكترونية , وهي تطبيق (سوبر كي ) الذي يفترض ان يكون نافذتك الى حسابك , فتفتحه لكي تعرف مالك ورصيدك وحركات حسابك , ستجد معلومات قبل ثلاثة اشهر لا تعكس حقيقة حسابك في الوقت الذي تحتاجها فيه , وقد يكون في حسابك مليون دينار مثلا , ثم تحاول ان ترسل مبلغ من بطاقتك الى بطاقت قريبك في العراق مثلا فتقول لك البطاقة ( رصيدك صفر) مع انك تعلم ان عندك مليون دينار , وتحاول ان تأخذ صورة لشاشة الهاتف كي توثق ما تراه فلا يسمح لك بذلك, وهنا لا تعود المشكلة مشكلة تطبيق سيئ فقط , بل تصبح مشكلة ثقة , لان المصرف في القرن الحادي والعشرين ليس بناية وشباكا وموظفا وخزنة حديدية , المصرف هو ان تعرف في هذه اللحظة كم تملك , وان تستطيع الوصول الى مالك , وان تجد انسانا يجيبك عندما تقع المشكلة .
وهنا نصل الى الفساد الذي اتحدث عنه , وهو في رأيي أخطر انواع الفساد في العراق , الفساد الخفي , فنحن تعودنا ان نتصور الفساد رجلا يسرق مليون دولار , او موظفا ياخذ رشوة , او مسؤولا يستولي على المال العام , وهذا فساد واضح تستطيع ان تشير اليه باصبعك , لكن ماذا نسمي مؤسسة تاخذ العمولات , ثم تقدم للمواطن خدمة لا تتناسب مع ما تاخذه منه , ماذا نسمي نظاما يجعل الانسان عاجزا عن الوصول الطبيعي الى ماله , ماذا نسمي مصرفا حكوميا كبيرا يستطيع ان ياخذ منك ماله فور اجراء المعاملة , بينما قد تعجز انت عن الوصول اليه عندما تحتاج الى حل مشكلة طارئة ؟ اذا لم يكن هذا وجها من وجوه الفساد المؤسسي الخفي , فما الاسم المناسب له ؟
المشكلة ان هذا النوع من الفساد لا يثير ضجيجا , فلا يوجد فلم فيديو تنشره مديرية النزاهة عك كيفية سرقة واخفاء المال العام , ولا مسؤول تم القاء القبض عليه في المطار , ولا ملايين وجدت تحت فراش احد , انه فساد هادئ .. مهذب .. يجلس خلف الشباك , ويختبئ داخل التعليمات والانظمة والتطبيقات والعمولات , وياخذ من وقتك ومالك وكرامتك قليلا قليلا , حتى تعتاد عليه , ثم يصبح التخلف نفسه نظاما , ويصبح عجز المواطن عن الوصول الى ماله امرا عاديا , ويصبح عدم الرد على شكواه امرا عاديا , وتصبح العمولة امرا عاديا , ويصبح كل شيء عاديا , لقد وصلت الامور في العراق انك تشكو لصديقك او جارك او اخيك فلا يبالي , لقد اصبحنا كالجُدر الصامتة الميتة .
مصرف الرافدين واحد من اكبر المصارف الحكومية في العراق واقدمها , ويحمل اسما يعود الى حضارة علمت البشرية الكتابة والحساب , لكن الاسم وحده لا يعني ان خدمات المصرف تعطيه حقه , ولا تاريخ المصرف يصنع نظاما مصرفيا حديثا , ولا الشعارات تصنع ثقة , المصرف الحديث يعرف ان مال الزبون ليس منة يمن بها عليه , وان البطاقة المصرفية ليست قطعة بلاستيك للزينة , وان التطبيق ليس ايقونة ملونة على شاشة الهاتف , وان خدمة العملاء ليست رقم هاتف يوجد في الموقع الالكتروني للمصرف لكي يقال ان لدينا رقم هاتف .
ولذلك فان اصلاح مصرف الرافدين لا يحتاج الى اعادة طلاء جدرانه وتغيير شعاره واطلاق اسم جديد على تطبيق جديد , بل يحتاج قبل كل شيء الى الاعتراف بان ما يتعرض له المواطن ليس طبيعيا , وان من حق حامل البطاقة ان يعرف رصيده الحقيقي في اللحظة نفسها , وان يصل الى ماله حيثما كان ضمن ضوابط واضحة ومعقولة , وان يعرف قبل كل عملية مقدار العمولة التي ستؤخذ منه ولماذا , وان يجد خدمة طوارئ حقيقية تعمل عندما يحتاج اليها , وان يستطيع تقديم شكوى والحصول على جواب , لا ان يرسل رسالته الى بريد الكتروني ثم ينتظر المجهول .
المشكلة ان المواطن العراقي مازال يدفع ثمن التخلف مرتين , مرة من ماله , ومرة من عمره وكرامته , ثم يطلب منه ان يسمي ذلك خدمة مصرفية . وهذا هو الفساد الخفي الذي اخشاه اكثر من الفساد الظاهر , لان اللص الذي يمد يده الى جيبك تعرف انه لص , اما حين يصبح الخلل جزءا من النظام , وتصبح المعاناة امرا عاديا , والتخلف شيئا ثابتا , والعمولة امرا واقعا , والصمت جوابا , حينها لا يكون هذا الامر امرا عابرا او بسيطا, بل امام بيئة تنتج الفساد وتحميه بالتعود عليه , وهذا بالضبط ما يجب ان يتغير في مصرف الرافدين , لا غدا , ولا بعد تشكيل لجنة ودراسة الموضوع , بل اليوم , لان اموال الناس ليست حقلا لتجربة الفشل , وكرامتهم ليست عمولة اخرى يحق للمصرف ان يقتطعها .
جاسم محمد علي المعموري