التوقيعة 19
وبينما كنتُ محمولاً على جَمَلٍ يَظْلَعُ
في قافلةٍ، تحملُ كتابَ الأغاني –
ضلَّ في البيد عن بقيةِ الجِمالِ
التي كانتْ تحملُ الأجزاءَ الأخرى
بحثَ عنِّي صاحبي الأصفهانيُّ Al-Isfahani،
طويلاً في تلكَ اليَهْماءِ الشاسعةِ.
وظلَّ يسألُ أعراباً في الطريق
حتَّى يئسَ ونعسَ وجفَّ له الريق،
فقررَ أنْ يواصلَ مسيرَهُ
إلى مجلسِ الخليفةِ.
فكَّرتُ ما الذي سيفعلُهُ من دوني؟
وما الذي سأعملُهُ من دونِهِ؟
ودون أقراني؟..
وإنْ وجدَني أحدُهم بعدَ حَوْلٍ أو قرنٍ أو ألفٍ،
هل سينسبهُ إلى مجهولٍ؟ أو إلى نفسِهِ؟
أو يتركُني والجملَ جملةً منسيةً
في كتابِ الريح..؟
وإذْ في يأسي الأنافيه،
وجدتُ يدَ الأنباريِّ Al-Anbari تلتقطُني
ويضيفُني إلى حشدِ رفوفِهِ،
وهناك رأيتُ بدويَّاتٍ يتلصَّصنَ لي بخفرٍ،
وزعرانَ في خمَّاراتِ بغداد
ودمشق والمغرب و..،
يتهتَّكون ببعضٍ من مجوني،
في هوامشي ومتوني،
ودورَ نشرٍ وأكشاكِ مكتباتٍ
في بيروت ونجد والقاهرة و..،
يظهرونني ويخفونني،
تبعاً للسائلِ والنائلِ.
فتعجبتُ من أحوالِهم وأحوالي،
ومآلِهم ومآلي، فقرَّ
ر
تُ،
في ليلةٍ بهماء بكماء،
أنْ أدْبرَ منسلَّاً إلى
حيثُ زاغتْ بي راحلتي،
لأرى ما حلَّ بصاحبي وصحابي..
...
26/12/2025
سوق الورَّاقين، شارع المتنبي – بغداد
* * *
التوقيعة 21
دخلتُ مكتبتي في المساء
وأشعلتُ المصباحَ ووجدتُ
سلفيا بلاث Sylvia Plath جالسةً على كرسي متحرّك
تحوكُ لي قصيدةً من صوف ناعم وبضع غيوم. أومأتْ لي
أن أقتربَ بهدوء كي لا أوقظَ يمامةً غافيةً بين يديها.
وقربَ سريرها كانت أمواجٌ تتلاطمُ كأنّها جهشات.
ثمّ وقبل أن أغلقَ الستارةَ والمصباحَ، وأغادر
الرفوفَ، أمسكني ابنُ حزم الأندلسي Ibn Hazm
وهمسَ لي بتلطّفٍ إنّها ليست يمامة. بل رغبةٌ
معتامة. ظلّت حبيسةَ قلبها إلى الأبد..
وحين عدتُ إليها طارت اليمامةُ ولم أجد بلاث ولا
الرفوف، ثمّ عدتُ لابن حزم فلم أجده ولا مكتبتي، ثمّ
عدتُ لبيتي فلم أجده ولا وطني الذي غادرتُ منذ
أربعين حولًا وهولًا.
ثمّ
عدتُ للأربعين فلم
أجد حياتي
ولم أجدني..
مكتبة الشعر – أكسفورد
15 / 5 / 2025
عدنان الصائغ