جاسم محمد علي المعموري

جاسم محمد علي المعموري

البحوث الإسلامية

تاريخ النشر: 2014-07-17

حين يقول الإمام روح الله الخميني (قدس سره) (إن للإمام مقاما محمودا ودرجة سامية وخلافة تكوينية تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون)، ثم يبلغ في وصف هذه المنزلة أن يقول (ان من ضروريات المذهب ان للأئمة مقاماً لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل)، فإننا نقف أمام عالم من كبار علماء الإمامية, وفقيه قضى عمره في الفقه والأصول والفلسفة والعرفان وكان يعرف ثقل الكلمة التي يقولها حين ينسب أمراً الى المذهب, لذلك قمت بدراسة وبحث المرجعيات الخاصة بقوله هذا ,وراجعت جميع المصادر ذات الصلة وكتبت بحثا مفصلا عنها قبل كتابة هذا المقال بشهر – اي في الشهر السادس من عام 2014.
وليس المقصود من ذلك ان الامام يصبح إلهاً مع الله, تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا, ولا ان تكون له قدرة مستقلة عن قدرة الله, ولا إرادة خارجة عن ارادته سبحانه, فكل ما للإمام من مقام انما هو بالله, وكل ما عنده فمن الله, وكل ما يقدر عليه فبإذن الله, وعظمة الامام في هذه الرؤية لا تنازع عظمة الخالق, وانما تكشف عما يستطيع الله ان يهب عبداً اصطفاه وطهره وقربه وأقامه في المنزلة التي أرادها له.
ولعل المشكلة تبدأ حين نقيس مقامات أولياء الله بمقاييسنا نحن البشر العاديين, فنحن نعرف الانسان من جسده وعمره ومكانه في الارض, ثم نريد ان نحاكم بذلك عالما ًأخبرنا الوحي نفسه أن وراء ظاهره مراتب من الوجود لا تدركها الحواس, والقرآن الذي حدثنا عن بشر يأكل الطعام ويمشي في الأسواق هو نفسه الذي حدثنا عن عبد من عباد الله آتاه الله رحمة من عنده وعلمه من لدنه علما, وعن سليمان الذي سخر الله له الريح, وعن عيسى الذي يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله, وعن الذي عنده علم من الكتاب فجاء بعرش بلقيس قبل أن يرتد إلى سليمان طرفه.
فإذا ثبت أن الله يمنح بعض عباده من العلم والقدرة ما يتجاوز المألوف، لم يعد السؤال هل يستطيع الله أن يمنح ولياً من أوليائه سلطاناً في عالم التكوين؟ فهذا السؤال لا معنى له أمام القدرة الإلهية المطلقة, وإنما يصبح السؤال ..هل منح الله أئمة أهل البيت مثل هذا المقام؟
فالسيد (قدس سره ) لا يتحدث عن قوة ذاتية مستقلة, وإنما عن خلافة تكوينية, والخليفة لا يملك في مقابل من استخلفه, وإنما يعمل بما أعطاه مستخلفه, وإذا خضعت الأشياء لولي من اولياء الله فإنها لم تخرج بذلك من سلطان الله, كما لم تخرج الريح من سلطان الله حين سخرها لسليمان, ولم يخرج الموتى من قدرته حين أحياهم عيسى بإذنه, ولم يخرج عرش بلقيس من ملكه حين أتى به من عنده علم من الكتاب.
وهنا تبلغ منزلة الإمام في الفكر الإمامي الاسلامي الشيعي معنى اعمق من الرئاسة السياسية بكثير, فالإمام ليس حاكما ينتظر أصوات الناس حتى يصبح إماما, ولا موظفا دينيا تنتهي وظيفته إذا منع من الحكم, وانما هو حجة لله في خلقه, وامتداد للهداية النبوية بعد انقطاع النبوة, ووارث لعلم رسول الله, وحافظ لما جاء به, ودال على الله في خلقه.
ولهذا فإن النظر إلى أمير المؤمنين علي عليه السلام باعتباره الخليفة الرابع فحسب لا يكشف إلا جزءا صغيرا جداً من صورته في العقيدة الإمامية, فالخلافة السياسية لم تستغرق من حياته إلا سنوات قليلة, اما إمامته فلم تبدأ يوم بايعه الناس ولم تنته يوم ضربه ابن ملجم.. الناس يستطيعون أن يمنعوا الإمام من السلطان, لكنهم لا يستطيعون أن يسلبوه المقام الذي جعله الله له. ومن هنا نفهم لماذا استعمل الخميني تعبيراً بالغاً إلى هذا الحد (مقاماً لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل)
إنه يتحدث عن منزلة وجودية, لا عن منصب إداري, وعن قرب من الله لا تقاس درجاته بموازين السلطة في الأرض. وحين ننظر الى التراث الذي استند إليه هذا التصور نجد الحديث عن أنوار محمد وآل محمد صلوات الله عليهم قبل هذا العالم, وعن إحاطتهم بالعرش, وعن التطهير, وعن العلم, وعن الولاية, وعن مقامات لا يمكن اختزالها في مفهوم الحاكم الذي يدير شؤون الدول,. ومع ذلك تبقى نقطة ينبغي أن تكتب بماء الذهب وهي كلما عظمت منزلة الإمام ازداد افتقاره الى الله وضوحا ,لا استقلاله عنه.
فعلي ع - واولاده المعصومون عليهم السلام - الذي ننسب إليه هذه المنزلة هو نفسه الذي كان يقف بين يدي الله عبدا, ويدعو الله عبداً, ويسجد لله عبدا, ويعيش لله عبدا, ويموت في محراب الله عبدا. وعظمته لم تكن في خروجه من العبودية, وإنما في بلوغه من كمال العبودية ما لم يبلغه عامة الناس.
ولعل هذا هو السر الذي يجعل بعض الناس يجدون صعوبة في فهم هذه المقامات. إنهم يتصورون أن تعظيم المخلوق لا بد أن ينتقص من تعظيم الخالق, مع أن الأمر في التصور التوحيدي على العكس من ذلك, فإذا رأيتَ لوحة عظيمة ازددتَ معرفة بعظمة الفنان, وإذا رأيتَ صنعة محكمة ازددتَ معرفة بالصانع, وإذا رأيت عبدا بلغ بإذن الله من العلم والطهارة والقرب والطاعة ما تعجز العقول عن الإحاطة به, فإن عظمته تعيدك في النهاية إلى الذي خلقه واصطفاه وأعطاه.
فما عند علي ع من علي, وما عند علي ع من محمد ص,. وما عند محمد ص وعلي من الله سبحانه وتعالى, وهنا يصبح قول السيد الخميني قجس سره مدخلاً الى سؤال أعمق بكثير من السؤال عن حدود الولاية التكويني وهو من هو الإمام في ميزان الله؟ نحن نراه انسانا عاش على الارض, ولد ومشى وأكل وقاتل وحكم ثم استشهد, ولكن هل هذه هي كل حقيقة الإمام؟
السيد الخميني يقول لا. وانما وراء هذه الصورة البشرية مقام آخر, ووراء التاريخ الذي نقرؤه منزلة لا تقاس بالتاريخ, ووراء علي الذي حمل السيف وقضى بين الناس ونام على فراش رسول الله علي آخر في مراتب القرب من الله لا تستطيع أعيننا أن تراه بمقاييس الحياة اليومية.
وحين يقول عالم بمقام السيد الخميني, بعد عمر طويل في دراسة الفقه والحديث والفلسفة والعرفان, إن للإمام (درجة سامية وخلافة تكوينية تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون) فإن أقل ما يقتضيه الإنصاف ألا تمر هذه الكلمات علينا مرورا عابرا.. قد يبحث الباحث في أدلتها وقد يناقش حدودها وقد يختلف العلماء في تفسير بعض مراتبها, لكن الذي يصعب قبوله أن تُعامل وكأنها مبالغة عاطفية لا أصل لها في مدرسة أهل البيت.
إنها تفتح لنا بابا على عالم اكبر من الصورة التي اعتدناها للإمام.
فالامام ليس عظيما لأننا عظمناه, ولا وليا لأننا واليناه ولا إماما لأننا سميناه إماماً.
إن كانت هذه المقامات التي تحدث عنها الخميني حقاً, فإن الناس لم يصنعوا لعلي منزلته, وإنما اكتشفوا شيئاً يسيراً منها, وكلما اقتربوا منه أدركوا أن ما جهلوه أكبر مما عرفوه.
أن عظمة علي مهما علت لا تبعده عن الله, وإنما تقربنا نحن إلى معرفة معنى العبودية لله, فليس السؤال هو كيف نعظم عليا الى هذا الحد؟ بل السؤال الأجدر بالتأمل هو أي مقام من العبودية بلغه علي حتى عظمه الله إلى هذا الحد؟
جاسم محمد علي المعموري
17 – 7-2014

شارك هذا المقال

فيسبوك واتساب