عندما يصف الشهيد نفسه
كلنا يعلم ان الشهادة في سبيل الله توفيق الهي , ولكنه ايضا سعي مستمر ( ومن اراد الاخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فاولئك كان سعيهم مشكورا ), ونرى بوضوح ان للشهيد اسلوب خاص في الحياة , وسلوك محمود ليس له نظير , فنراه ذا خلق رفيع واحساس مرهف وعطف ولطف واحسان وكرم وشجعاعة وعلم , الخ
في كتابه ( الشهيد والشهادة ) يبين لنا اية الله العظمى السيد علي الحسيني الخامنئي من هو الشهيد وماهي الشهادة وكأنه يتحدث عن نفسه ( قدس سره الشريف) .
يبدأ السيد الخامنئي حديثه من حقيقة لا يختلف عليها التاريخ كله, فيبين ان الامم لا تُبنى بالاماني, ولا تحفظ بالخطب ولا تصان بالشعارات ,وانما تقوم على رجال عرفوا قيمة ما يحملون, فهانت عليهم الدنيا حين وقفت في وجه رسالتهم, وان كل شعب اراد العزة دفع ثمنها ,وكل امة طلبت الكرامة قدمت من ابنائها من جعلوا ارواحهم جسرا تعبر عليه الاجيال .
ولو قلّبتَ صفحات التاريخ كلها, لما وجدت امة عظيمة قامت على الراحة ,ولا دولة عادلة حفظت نفسها بالكسل ,ولا رسالة بقيت حية لأن اهلها احبوا السلامة اكثر من الحق ,فالارض لا تعرف الكرامة الا لمن عرف ثمنها ,والزمن لا يحفظ الا ذكر الذين اعطوا ولم ينتظروا جزاء من احد.
ثم ينتقل ( قدس سره الشريف ) الى معنى اخر ,فيفرق بين وفاة طبيعية ,وبين شهادة يرفعها الله ,فليس كل من قُتل صار شهيدا ,ولا كل دم صار نورا ,وانما الشهادة منزلة يبلغها من خرج لله لا يبتغي دنيا ولا جاها ولا سلطانا ,فاذا سقط جسده ,بقيت روحه تعمل في الناس اكثر مما عملت وهو بينهم ,وصارت حياته بعد موته اوسع من حياته قبل موته .
ولذلك فان الشهيد في منطق السيد ( قدس سره الشريف ) ليس انسانا انتهت ايامه ,وانما بدأت رسالته تعطي ثمارها ونورها يسري في القلوب جيلا بعد جيل ,فكم من انسان عاش عمرا طويلا ولم يترك سوى قصة عادية تشبه قصة حياة الاخرين , وكم من شهيد غاب جسده وبقيت خطاه تهدي السائرين الى سراط الله المستقيم.
ثم ياخذ بيد القارئ الى تاريخ الانبياء والاولياء, فيوضح ان طريق السماء لم يكن يوما طريقا سهلا ,وان دعاة الحق لم يفرش لهم الناس الارض بالورود ,وانما ساروا بين المحن والشدائد , وتحملوا الاذى ,وصبروا حتى بلغت الرسالة اهلها ,وبقي نورها لمن جاء بعدهم ,وكأنه يريد ان يقول ان من يطلب طريق الانبياء فليوطن نفسه على ما وطنوا عليه انفسهم, فإن الطريق واحد والغاية واحدة والرب واحد ,وما تغيرت سنن الله في الاولين ولا في الاخرين.
ثم يلفت النظر الى امر يغفل عنه كثير من الناس, وهو ان الشهيد لا يصنع نصرا في ساعة واحدة ,وانما يغرس شجرة قد تثمر بعد سنين ,وقد لا يرى هو ثمارها بعينه, ولكنه يوقن ان الله لا يُضيّع ما زرعه المخلصون ولا يترك دماءهم تذهب هدرا .
وهذه الكلمة وحدها تكشف عن صاحبها, فالذي يؤمن بان ثمرة التضحية قد تتاخر, لا يجزع اذا طال الطريق ,ولا يضعف اذا كثرت التضحيات, ولا يساوم اذا اشتد البلاء, لانه لا يعمل لحساب يوم ,ولا لحساب سنة ,وانما يعمل لله الذي لا تضيع عنده اعمال الصالحين.
ثم يحذر من حرب اخطر من حرب السلاح ,وهي الحرب على المعاني ,فيقول ان اعداء الامة يحاولون ان يطفئوا معنى الشهادة في النفوس ,لانهم يعلمون ان الامة التي تحب العزة لا تُهزم ,وان الشعب الذي يرى في التضحية كرامة لا يخضع لطاغية ولا يركع لمحتل .
وحين يقرا الانسان هذه الكلمات بعد استشهاد السيد الخامنئي ( طيب الله ثراه ),لا يحتاج الى كثير من البيان ,فالكتاب نفسه يتكلم ,والصفحات نفسها تشهد ,والكلمات نفسها تقول ان صاحبها لم يكن يصف رجالا بعيدين عنه ,وانما كان يصف نفسه ويرسم الطريق الذي اختاره لها منذ عرف الحق وحتى لقي الله عليه.
جاسم محمد علي المعموري