اذا لم يستحق الناس النور رفعه الله اليه
الشهيد كتلة من نور تمشي على الارض بين الناس ,تهدي الحائر وتوقظ الغافل وتقلق الظالم وتبعث الامل في نفوس المستضعفين ,فاذا رأى الله تبارك وتعالى ان الناس اعرضوا عن هذا النور , ولم يعرفوا قدره ,ولم يقوموا بحقه, رفعه اليه وحرمهم من بركته , ليكون ذلك الحرمان اعظم من كل عقوبة..
ومع ذلك ليس كل من يقتل في حرب شهيدا ,وليس كل دم يراق في ساحة القتال يبلغ منزلة الشهادة التي وعد الله بها اولياءه , فالشهيد الذي نقصده هو من خرج مدافعا عن دين الله ,وعن الحق باذن الحجة الشرعية ,فقتل في ارض المعركة ثابتا على مبادئه غير مدبر ولا متردد, كما كان الحسين عليه السلام وكثير من الانبياء والاوصياء والعلماء الربانيين, الذين جعلوا حياتهم كلها لله حتى خُتمت بالشهادة, اما من قُتل ظلما او غدرا أو وهو يدافع عن نفسه او عن عرضه او عن ماله أو عن وطنه, فله منزلة عند الله ايضا , وقد جاءت النصوص بتكريم امثال هؤلاء ,ولكل مقام منزلته , ولكل مرتبة فضلها..
ولعل من اكثر الاسئلة التي يرددها الناس عند الحديث عن كربلاء , قولهم لماذا لم ينصر الله الحسين عليه السلام كما نصر نوحا وابراهيم وموسى وغيرهم من انبيائه؟
والجواب ان الله سبحانه قادر على كل شيء ,ولو شاء لأنزل من السماء ملائكة تقاتل مع الحسين عليه السلام , كما قاتلت مع المؤمنين في مواطن كثيرة ,ولو شاء لخسف بالظالمين الارض ,او قلب عليهم الجبال أو أهلكهم بصيحة واحدة ,ولكنه سبحانه يُجري الامور بحكمته فهو العزيز الحكيم.
لقد انقذ الله نوحا من الطوفان ,وانقذ ابراهيم من النار ,وأنجى موسى من فرعون ,وأخرج يوسف من السجن ,وحفظ لوطا من قومه, لأن الرسالة يومئذ كانت لا تزال تحتاج الى وجودهم بين الناس , وكانت مراحل التبليغ لم تكتمل بعد..
اما الحسين عليه السلام, فقد كانت الرسالة قد اكتملت ,وكانت الحجة قد قامت ,ولم يبق الا ان يكون هو اعظم شاهد عليها بدمه الطاهر ,فكانت شهادته بيانا لا يقل عظمة عن حياته, بل ربما كانت شهادته ابلغ من حياته في حفظ الدين وابقاء الرسالة..
وهكذا كان حال كثير من الصالحين والعلماء, الذين قتلوا ,لأنهم كانوا نورا يمشي بين الناس ,وكان الطغاة يعلمون قبل غيرهم , ان وجود رجل واحد من هؤلاء , اخطر عليهم من جيوش بأكملها ,ولذلك سعوا دائما الى قتلهم واسكات اصواتهم..
ولكنه ديدن الطغاة الذين يريدون اطفاء نور الله بافواههم , فهؤلاء الطغاة لا يفهمون ان الدماء اذا سالت في سبيل الله احيت ضمائر المؤمنين, وان الشهيد اذا غاب عن الدنيا بقي حيا في القلوب ينيرها في طريق ذات الشوكة ,وهناك احداث وقرائن دلت على ان الله اذا وفق عبدا للصلاح, صار وجوده رحمة للناس ,ثم اعرض الناس عنه ,ولم يعرفوا حقه ,ولم ينصروه , اخذه الله اليه , واكرمه بجواره , وحرم الناس من بركته.
ولهذا رفع الله عيسى - على نبينا واله وعليه السلام والتحية المباركة - اليه , وبعد ان اوغلت امة الاسلام في عصيان اوليائها وايذاء النبي واله عليهم الصلاة والسلام فحرمتهم من دورهم الذي اراده الله لهم وقتلتهم جميعا غيّب وليه الامام المهدي (عجل الله فرجه) عن اعين الناس , حتى ياذن الله بظهوره حين تستعد الارض لاستقبال عدله , ويتهيأ الناس لتحمل نور حضوره..
ولعل كثيرا من العلماء والصلحاء الذين فقدتهم الامة عبر تاريخها كانوا من هذا الباب, فقد عاشوا بين الناس يدعونهم الى الله ,فلم يعرف اكثر الناس قدرهم , فرفعهم الله اليه , كما حدث في ايامنا هذه لما رفع الله الصالحين في هذه الامة التي لا تستحق وجودهم المبارك,
ان اعظم مصيبة لا تكمن في استشهاد الشهيد فحسب, وانما في الامة التي لم تعرف كيف تحافظ على نور الله ونعمته العظمى ان جعل لها من يهديها سواء السبيل , ولم تعرف كيف تنصر اولياءه اذا دعوها ,ولم تعرف كيف تتمسك باهل الحق اذا تكالب عليهم اهل الباطل ,فاذا غاب النور بقي الناس يتحسرون عليه جيلا بعد جيل ,ويكتشفون متاخرين انهم فقدوا بركة كانت تمشي بينهم ,ورحمة كانت تظلهم ,وحجة كانت تدلهم على طريق الله, فإذا كانت امة تنجو لانها عرفت قيمة رجل صالح واحد واستجابت له ,فكيف بامة تطارد صالحيها ,وتخذل علماءها ,وتترك اولياءها وحدهم في ميادين المواجهة, ثم تتساءل لماذا حلت بها النكبات! ان فقدان الامة لشخص كالسيد الخامنئي والسيد حسن نصر الله وغيرهم لم يأت من فراغ , وانما لحكمة الهية عظيمة وهي عدم استحقاق الامة لهم , ومن هنا يثور سؤال قديم يتكرر كلما فقدت الامة نبيا او وصيا او عالما او مصلحا او قائدا عظيما ,اذا كان الله سبحانه قادرا على ان ينصر اولياءه ,فلماذا لم ينجهم جميعا من القتل كما نجى نوحا من الطوفان وابراهيم من النار وموسى من فرعون ويوسف من السجن ولوطا من قومه , ان القران الكريم يجيب عن جانب من هذا السؤال حين يقول (ان الله يدافع عن الذين امنوا) فالدفاع الالهي حقيقة لا ريب فيها ,ولكنه لا يتجلى بصورة واحدة في كل زمان ,ولا مع كل رسول ,ولا مع كل ولي من اولياء الله ,فمرة يكون الدفاع بالنجاة ,ومرة يكون بالرفع ,ومرة يكون بالشهادة التي تحفظ الرسالة اكثر مما يحفظها بقاء صاحبها.
ولو تتبعنا قصص القران لوجدنا ان الله سبحانه انقذ انبياء كثيرين ,لأن الرسالة كانت ما تزال في طور التبلغ وكان بقاء النبي بين قومه ضرورة لا غنى عنها, حتى تتم الحجة ويستبين الطريق.
اما حين اكتملت الحجة وظهر الحق وبقي الامتحان في موقف الناس من ذلك الحق ,فان صورة الابتلاء تكون في ذلك الامتحان , ومن ابلغ ما يلفت النظر في هذا الباب قصة قوم يونس قد تختلف ويصبح موقف الناس من اولياء الله هو الذي يكشف حقيقة ما في القلوب
قال تعالى(فلولا كانت قرية امنت فنفعها ايمانها الا قوم يونس لما امنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم الى حين)
وقد ذكرت طائفة من كتب التفسير رواية عن رجل صالح من قوم يونس كان ذا حكمة وبصيرة , فلما ظهرت امارات العذاب , دعا الناس الى التوبة والانابة والخروج الى الله بقلوب منكسرة ,فاستجابوا له واستمعوا الى نصحه, فرفع الله عنهم العذاب, وسواء اخذنا بهذه الرواية التفسيرية ,ام وقفنا عند ظاهر الاية الكريمة , فان النتيجة واحدة , لقد نجا قوم يونس لانهم رجعوا الى الله حين قامت عليهم الحجة ,واستجابوا لداعي الخير ,ولم يعاندوا الحق بعدما عرفوه..
وهنا يبرز معنى جدير بالتامل, وهو ان وجود الرجل الصالح بين الناس قد يكون من اعظم نعم الله عليهم ,فاذا عرفوا قدره ,وانتفعوا بعلمه ,كانت بركته سببا في نجاتهم ,ولهذا قال سبحانه مخاطبا نبيه الكريم (وما كان الله ليعذبهم وانت فيهم ) وكان وجود رسول الله صلى الله عليه واله امانا لاهل الارض ,ورحمة لهم ,فإذا كان وجود نبي واحد امانا لامة ,وكانت الاستجابة لرجل صالح سببا في نجاة قوم يونس ,افلا يدعونا ذلك الى التامل في قيمة وجود اولياء الله بين الناس؟! ولو عدنا مرة اخرى الى قوله تعالى في شأن عيسى عليه السلام ( بل رفعه الله اليه ) ولم يجعل القران الرفع مجرد خبر تاريخي ,وانما جاء بعد نفي ما ادعاه اعداؤه من القتل والصلب ,فكان الرفع تكريما الهيا ,وحفظا لعبده الكريم, ولعل المتأمل في هذه النماذج القرانية يلاحظ ان الله سبحانه يتعامل مع اوليائه بما تقتضيه حكمته, فينجي منهم من تقتضي الحكمة بقاءه, ويرفع منهم من شاء تكريما له وحفظا لما يحمله من رسالة ,ويجعل من شهادة بعضهم حياة للدين وبقاء للحق ,ومن اعظم الشواهد على ذلك شهادة الحسين عليه السلام, فقد بقي وحيدا بعد ان تفرق عنه الناس ,ولم ينصره الا الصفوة من اهل الوفاء ,فكانت شهادته حياة لاطفاء الفتنة ,وكشفا لحقيقة الصراع بين الحق والباطل ,حتى صدق فيه القول ان الاسلام محمدي الوجود حسيني البقاء..
ولعل اعظم ما تخسره الامة حين تفقد رجلا من اولياء الله هو نوره ,وما كان يفيضه من هداية ,وما كان يمثله من امان ورحمة وبركة , والقران يدعونا دائما الى الاعتبار واستقراء سننه في الامم .
جاسم محمد علي المعموري