شوقي كريم حسن

شوقي كريم حسن

الأدب

تاريخ النشر: 2026-06-25

(نشيد العابرين )
(ظلامٌ خفيف.صمت ..ثم يُسمع صوت خطوات بعيدة، كأنها تعبر أرضًا لا يراها أحد.من عمق العتمة ترتفع الجوقة.)
الجوقة:—أنهى الغبارُ دورانه.
وسكتت الطرقاتُ التي حملت أسماء الراحلين…أغلقت الريح دفاترها.
لكن شيئًا لم ينتهِ.ما يزال يمشي.
صوت أول من الجوقة/
كم خرجوا من هذه الأرض؟
صوت ثانٍ/
أكثر مما أحصت المقابر.
صوت ثالث/.
وكم عادوا؟
صوت رابع/
أقل مما انتظرت الأمهات.
الجوقة/
هكذا البداية.
وهكذا الطريق.
رجلٌ ينهض…ثم يمضي.
يترك خلفه سؤالًا أكبر منه.
(يظهر الولد وحده.لا ضوء عليه سوى ضوءٍ شاحبٍ كالفجر)
الولد/
كنت أبحث عنه.
في الأزقة.و الأصوات.
في الحكايات القديمة.
في الوجوه التي تشبه الوجوه.
في الوجع الذي يشبه الوجع.
كلما ظننت أني إقتربت،
وجدته أبعد من المسافة.
وأقرب من القلب.كنت أظنه رجلًا.
رأيته طريقًا.
كنت أظنه ذكرى. وجدته مستقبلًا.
واليوم…لا أبحث عنه…لأني عرفته.
الجوقة:-
وماذا عرفت؟
الولد:/
الخوف أول السجون.
و الصمت أول الهزائم.
والإنسان يُولد مرتين:
مرةً من أمه…ومرةً من موقفه.
(صمت.تخرج زينب من الظل.كأنها تحمل عمر الديرة كلها فوق كتفيها).
زينب /
يا ولد…أتذكر؟
حين كانوا يمرون من هنا.
صغارًا…فقراء.مرعوبين.
يحلمون بأيامٍ أرحم.
أتذكر حسان؟
ذاك الذي كان يضحك كثيرًا.
يعرف أن الضحك آخر ما يبقى للإنسان.مضى.
كما يمضي الطيبون.
ترك قلبه على الطريق.
الولد/
لم يمت.
زينب /
أعرف.الذين يموتون حقًا
الذين عاشوا لأنفسهم .
الجوقة/
سلامٌ على القربان الأول.
سلامٌ على الذي فتح الباب بدمه.
سلامٌ على الذي سبق الآخرين إلى الفجر.
(يدخل الشيخ بثيابه البيض.هادئًا.
كأنه خارج من زمن آخر.)
الشيخ:
أيها الناس…الكثير يسأل:
من أنتصر؟
سؤال لا يطرحه إلا الذين يرون بعينٍ واحدة.
الانتصار ليس أن تبقى حيًا.
والهزيمة ليست أن تُقتل.
كم من أحياء دفنتهم الأيام وهم يمشون.
وكم من قتيلٍ ظلّ حيًا في ضمائر البشر.
ليس السؤال:من عاش؟
بل:من بقي صادقًا حتى النهاية؟
الجوقة/
ومن بقي صادقًا؟
الشيخ/
الذين عرفوا الثمن…
ودفعوه.
(تهتز العتمة.يُسمع وقع خيلٍ بعيد.
صوت لا يُرى صاحبه.(
صوت حسان:
أنا أول الخارجين.حين ارتجفت القلوب…خرجت.
حين أغلق الناس أبوابهم…
خرجت.
حين حسب الجميع الربح والخسارة…
خرجت.
لأن الطريق لا يبدأ بالحسين.
الطريق يبدأ بمن يمهد له.
الجوقة/
من أنت؟
صوت حسان/
أنا الأسم الذي يتغير.
لكن المهمة لا تتغير.
أنا سفير زمن البداية .
أول من يسقط.
كي يعرف الآخرون أين يقفون.
الجوقة/
سلامٌ عليك.يا أول العابرين.
(صمت طويل.ثم نور خافت جدًا.
كأن الفجر يتردد قبل أن يولد).
صوت الحسين/
لا تنادوني في الماضي.
لست هناك وحدي.
أنا حيث يقف المظلوم.
و حيث يخاف الإنسان ثم يتجاوز خوفه.
حيث يقول أحدهم:—-لا…في وجه الظلم.
لست رجلًا عبر التاريخ.
أنا الامتحان الذي يتكرر.
الجوقة/
هل ينتهي الإمتحان؟
صوت الحسين/
حين ينتهي الإنسان.
الجوقة/
هل ينتهي الطريق؟
صوت الحسين:
حين تتوقف القلوب عن طلب العدل.
(يصمت الصوت.لكن الصدى يبقى).
الولد/
إ…لم يكن الطريق إليه.
كان الطريق اليََ.
الشيخ/
الآن عرفت.
زينب /
الآن كبرت.
الجوقة/
الآن بدأ الخروج.
الولد/
ولكن… أنتهى كل شيء.
الجوقة/(بصوت مرتفع)
كلا…الآن يبدأ كل شيء.
(تتداخل جميع الأصوات.الحيّ والميت.الحاضر والغائب.كأن الديرة تتكلم بفم واحد).
الجوقة الكبرى/
لا ينتهي الخارجون.
ولا تنتهي الرايات.
ولا تنتهي الطرقات.
يسقط رجل.فيقوم معنى.
يغيب صوت.فتولد أصوات.
يُدفن جسد.تنهض أمة من التراب.
هكذا كان الأمر.وهكذا يكون.
منذ الدم الأول…إلى القلب الأخير.
الجميع/
السلام على القربان الأول.
السلام على الذين عبروا.
السلام على الذين سيعبرون.
.(صمت).
الجميع:/
عبر الذين عرفوا الطريق.
وعبر الذين أضاعوه.
بقي النداء ..يعبر من قلبٍ إلى قلب.
(صمت طويل)
الجوقة:/
كلُّ زمنٍ يظن أنه الأخير.
لكن الجرح يعود باسمٍ جديد.
والظلم يعود بوجهٍ جديد.
والسؤال يعود…
(صمت..صوت بعيد لا يُعرف من أين يأتي:)
من يحمل الضوء إذا أقبل الليل؟
(صمت)
الولد:
أنا.
صوت ثانٍ من جهة ثانية:/
من يقول لا…حين يخاف الجميع؟
صوت آخر/
أنا.
(ثم أصوات متفرقة من كل الجهات):
أنا.
أنا.
أنا.
(تتعالى الأصوات حتى تمتزج)
الجميع/
نحن هنا.
تأتي الإجابة/
لبّيك.
الجوقة الكبرى:
لا يموت النداء.يتغير السامعون.
لا تنطفئ الراية.يتبدل حاملوها .
لا يغيب الطريق.يتعب العابرون .
صمت،،كأن الريح تمر بين النخيل).
الولد/
كنت أبحث عنك…
اكتشفت أنك كنت تبحث عنا.
( ترتفع الأصوات):
لبّيك…
لبّيك…
لبّيك…

شارك هذا المقال

فيسبوك واتساب