رحم الله والديّ ووالدي والديّ
فما وهبوني إياه لا يُقاس بثمن, ولا يُرد بعطاء.. لقد أعطوني اعظم ما يمكن لانسان ان يُعطى, وهو ان أفتح عينيّ على الدنيا, فأرى فيها الحسين قبل ان أرى نفسي, وأن أسمع زينب في صوت أمي, قبل ان أتعلم النطق..
ما علّماني حب الحسين بالكلمات, ولا بالكتب, وانما علّماني إياه بالدموع.. كانت دموع أبي حين تُذكر كربلاء, أشد وقعاً من أي خُطبة.. كان يبكي بحرقة, حتى يسقط عقاله من على رأسه, كان يبكي بكاء العارفين.. بكاء من يعرف أن الحياة كلها تقف عاجزة أمام صرخة (( ألا من ناصر ينصرني ))ومعذلك كان رحمه الله يعرف بقرارة نفسه انه يلبي تلك الدعوة بدموعه وينصر سيده ومولاه.. كنت أراه يبكي, فأسأل نفسي: من هذا الذي جعل ابي يبكي هكذا؟ .. من هذا الذي تفتتت قلوب الرجال عند اسمه؟ ما معنى أن يُبكي الحسينُ الرجالَ الصابرين؟
وأمي.. تلك الروح النورانية, كانت تنوح على زينب وكأنها تراها رأي العين, وكأنها تعيش حزنها . كانت تمسك بيدي وتلبسني الأخضر, وتضع على رأسي عمامة خضراء من الاستبرق ولسان حالها يقول لي: (( اذهب وقاتل الظلم.)) لم تكن كلماتها لعبة, بل كانت درسا ونبوءة وان لم تكن تقصد ذلك.. كانت تصنع مني مقاتلاً صغيرا في جيش الطف, قبل ان أعرف الحروب.. كنت اعود من أزقة المحلة، متعباً من تمثيل واقعة كربلاء مع الاطفال الاخرين , كنا في البداية نقف صفين , صف يزيد , وصف الحسين عليه السلام , وبأيدينا العصي , وكا كان عددنا يتجاوز العشرة كأقصى حد , لكن معركتنا الاساسية لم تكن ان نتضارب بتلك العصي , وانما كانت من يمثل من , بمعنى اخر الكل كان يريد ان يكون في صف الحسين عليه السلام .
لم اكن أدري ولا اصحابي أننا في الحقيقة كنا نؤدي أعظم درس في الفلسفة والحرية والكرامة..
لم تكن هذه الطقوس عبثاً, كانت أعظم جامعة دخلناها في حياتنا.. الحسين علّمنا من خلال هذه الفعاليات والمجالس كيف نرى العالم.. كيف نقرأ التاريخ باعتباره أحداث للحاضر وليس كقصص قديمة ,. كيف نفهم أن كل عصرٍ فيه يزيد, وكل زمن فيه حسين, وكل مجتمع يحتاج لزينب, وكل روح بحاجة إلى عاشوراء لتتطهر..
الحسين لم يكن سيرة عادية لرجل مر على هامش التاريخ كبقية الرجال, وانما هو منهج.. ولم يكن تاريخاً فحسب كما يحاول المنافقون تصويره في الاذهان , وانما كان وعيا متجددا.. في دموع أبي, وحشرجة صوت أمي, وعويل الجارات في العزاء, كنا نسمع صدى كربلاء وكأنها لا تزال تنزف, وكل نحيب كان نبضة وعي, وكل لطم كان يقظة, وكل مجلس كان شعلة تزيح ظلاما يحاول أن يبتلع مضامين عُليا ..
أولئك الذين يحاربون الشعائر الحسينية لا يحاربون هذه الطقوس فحسب , وانما هم يحاربون الوعي.. إنهم يخافون من سؤال الطفل: (( من هو الحسين )), لأنهم يعلمون ان هذا السؤال إذا اشتعل سيُسقط الطغاة.. لأن الحسين ليس شخصاً, بل هو ميزان, من وقف معه كان حراً, ومن وقف ضده صار عبداً لأهوائه مهما ادعى الحرية..
الحداثة الزائفة التي تنكر الشعائر وتتنكر للمجالس الحسينية لا تصنع امة واعية , وانما تصنع الحوف والتردد والذل والهوان.. أي عقلانية هذه التي ترفض البكاء على الحسين, وتسميها تخلفاً؟ بل أي تخلف اعظم من ان ينسى الإنسان مَن علّمه معنى ان يعيش واقفاً او يموت واقفا؟ الحسين هو علم على نار يهدي امته الى المجد والكرامة والحرية والسيادة , هو باختصاربوصلة الوعي في هذه الامة, صحيح ان دمه سقط على الارض فتطهرت , ولكن يقيني ان السماء اخذت منه ما تتبهى به ملائكتها وسكانها , لقد كتب بدمه الطاهر معنى الإنسانية الحقيقية , واعطى للشعوب والامم ما اعانها على مقارعة الظلم والجور وتحقيق آمالها في الانعتاق من العبدوية والمهانة ..
إن شعائر العزاء ليست فقط طقوساً دينية, وانما هي محطات تأمل, وفرص انعتاق من الزيف, فحين تلطم على صدرك, فأنت تعلن رفضك للظلم.. حين تمشي في مسيرة الحسين, فأنت لا تمشي في شارع, بل تمشي في طريق الأنبياء.. حين تذرف دمعة, فهي ليست دمعة حزن فقط ,بل دمعة معرفة.. دمعة انتماء..
أقول لمن يسخر من الشعائر أنتم لا تملكون شيئاً يعادل حتى نَفَساً من أنفاس مجلس حسيني, لقد أردتم أن تُطفئوا نور الله بأفواهكم, لكن الله يأبى إلا أن يتم نوره, ولو كره الكافرون.. ما زال الطفل يلبس عمامة القاسم, وما زالت الأم تبكي على زينب, وما زال الأب يُعَلّم ابنه ان يكون حسينياً قبل أن يكون ناجحا, لأن النجاح الحقيقي هو ان تكون حرا ..
أما أنا, فكلما بكيت على الحسين, شعرت أنني أقترب من معنى الحياة.. كلما ذكرت زينب, شعرت أنني أتعلم كيف أصبر.. كيف أتكلم.. كيف أكون قوياً دون ان أفقد طُهر الدمع, وها أنا اليوم أكتب هذه الكلمات كطفلٍ كبر ولم ينسَ ان أمه علّمته زينب, وأباه علّمه الحسين..
وهل يمكنني أن أرد لهما هذا الفضل؟ بأي فعلٍ.. بأي عرفان.. بأي كلمة؟ لا شيء يوازي أن يضع الإنسان قدمه على طريق النور, ويدخل ساحة الحسين, ليس كزائرفقط, وانما كمحب.. كمُتّبع.. كمُضحي. ان كل ما أفعله, إنما هو نتيجة لأول دمعة رأيتها في عيني أبي, ولأول (( يا حسين )) خرجت من صدر أمي..
هم لم يُورّثوني ثروة, بل ورّثوني نوراً, وأنا بدوري, لا أملك إلا ان أورث هذا النور لمن بعدي.. أن أقول لأبنائي: ابكوا كما بكيت, واسألوا كما سألت, وامشوا في طرق العزاء, فإنها طرق السماء..
الحسين في دمي, لأن أبي بكى.. وزينب في روحي, لأن أمي ناحت.. وسأبقى, حتى آخر أنفاسي, أردد
لبيك يا حسين.
جاسم محمد علي المعموري
النجف الاشرف – عاشوراء 2019