جاسم محمد علي المعموري

جاسم محمد علي المعموري

الأدب

اهمية دراسة التاريخ والاطلاع على أسراره
ان معرفة التاريخ ليست ترفا فكريا ,ولا علما ثانويا يمكن الاستغناء عنه ,وانما هي الذاكرة الحية للامم ,والمرآة الصادقة التي تعكس تجارب الشعوب في صعودها وهبوطها ..في انتصاراتها وهزائمها .. في تطورها وتخلفها.. فالتاريخ ليس مجرد سرد لاحداث مضت وانقضت ,وانما هو مدرسة مفتوحة يتعلم فيها الانسان كيف يفكر وكيف يتعامل مع الحاضر بعين بصيرة ترى ما وراء اللحظة الراهنة ,ان من يقرا التاريخ انما يقرا نفسه ,لان الانسان ابن ماضيه وحاضره وهوامتداد لذلك الماضي, ومستقبله ثمرة لما تراكم من تجارب وافعال عبر الاجيال..
فالتاريخ هو تجارب الاخرين كما قيل ,لكنه في الوقت ذاته تجاربنا نحن حين نفهمه ونتامل دروسه ,وكل تجربة تضاف الى رصيد البشرية تصبح لبنة في صرح المعرفة الانسانية ,وكلما تراكمت تلك التجارب واتسعت دائرة الوعي بها ازدادت قيمتها واصبح الانسان اغنى فكرا واعمق بصيرة , ولهذا فان الامم التي تعرف تاريخها معرفة حقيقية لا تُخدع بسهولة ,ولا تكرر اخطاءها, ولا تنجر وراء الوعود البراقة دون ان تزنها بميزان الماضي وتجارب السنين ,ومن لم يقرا التاريخ يبقى كمن يسير في طريق مظلم لا يدري الى اين يقوده وان كان ذا علم او مال او سلطة ,لان الجهل بالتاريخ جهل بأصل الاشياء وبجذور الحاضر الذي نعيشه.
ان من يتامل احوال الامم المتقدمة يجد ان دراسة التاريخ فيها ليست علما هامشيا , وانما ركنا من اركان بناء الانسان المثقف والواعي ,فهناك لا يُنظر الى التاريخ باعتباره ماضيا جامدا ,وانما باعتباره اداة للفهم والتخطيط للمستقبل ,فكل قائد او سياسي او عسكري او اقتصادي في تلك المجتمعات يدرس التاريخ ليعرف كيف كانت القرارات الكبرى تُتخذ , وكيف سقطت دول وقامت اخرى ,وكيف نجحت الامم في تجاوز ازماتها او فشلت, لأن في كل واقعة من وقائع التاريخ بذرة من الحكمة ان احسن فهمها اثمرت وعيا عميقا وحسن تدبير ,ولهذا لا يمكن ان يُسمح في تلك الدول بتولي مسؤولية كبرى لمن يجهل تاريخ بلاده , وتاريخ العالم من حوله ,لان الجهل بالتاريخ يؤدي الى تكرار الاخطاء ذاتها وان اختلف الزمان والمكان.
والتاريخ ليس مجرد تواريخ واسماء ومعارك ب,وانما هو علم النفس الجماعي للامم ,يكشف لنا كيف يفكر الناس ,وكيف تتغير القيم والمبادئ حين تتبدل الظروف, وهو كذلك سجل الحضارة الانسانية التي تتوارثها الاجيال ,فمن خلاله نعرف كيف بنيت المدن ,وكيف تطورت العلوم والفنون ,وكيف واجه الانسان الطبيعة والكوارث والحروب , فالتاريخ في جوهره حكاية الانسان مع نفسه ومع العالم , وكل فصل منه يحمل عبرة ودلالة لمن اراد ان يعتبر, ومن هنا قال الحكماء ان من لم يتعلم من التاريخ محكوم عليه ان يعيشه من جديد, اي ان يقع في الخطأ ذاته لانه لم يتامل العبرة التي سبقته.
والتاريخ ايضا يصنع الهوية, فهو الرابط الذي يشد الامة الى جذورها, وبدونه يفقد الناس احساسهم بالانتماء ,ويضيعون في متاهة الحاضر ,فالشعوب التي تنكر تاريخها او تجهله سرعان ما تتفتت وتتلاشى روحها المشتركة , ان من يعرف تاريخه يعرف من هو , ويعرف الى اين يتجه ,ويملك الثقة التي تجعله قادرا على مواجهة تحديات عصره دون ان يفقد ذاته او ينكر ماضيه , اما من يجهل تاريخه فيظل غريبا حتى عن نفسه, فلا يجد في الماضي ما يستند اليه ,ولا في الحاضر ما يرشده, فيتخبط في المجهول كمن لا اصل له.
ولعل اجمل ما في قراءة التاريخ انها توسع الافق وتزرع التواضع في النفس ,فمن يقرا تاريخ الامم يدرك ان القوة لا تدوم, وان المجد لا يُعطى لأمة دون اخرى, وان الايام دول بين الناس , فتتولد لديه حكمة العدل والاتزان ,فلا يغتر بنجاح ,ولا يياس من اخفاق ,كما ان دراسة التاريخ تعلم الانسان الصبر والفهم العميق لطبيعة التغيير, فالتاريخ لا يصنع في يوم ولا يتغير بمزاج ,وانما هو سيرورة طويلة من الاحداث والتجارب تتفاعل عبر الزمن ,ولهذا فان من يفهم التاريخ يفهم معنى التدرج والتطور ,ويعرف ان كل مرحلة من مراحل الحياة انما تبنى على ما قبلها.
واذا كان العلم الحديث يمنح الانسان ادوات لمعرفة الكون ,فإن التاريخ يمنحه ادوات لمعرفة ذاته ,لانه يضعه امام احداث الماضي ليقيس موقعه من الحاضر ,ويختار طريقه نحو المستقبل, فالعلم من غير تاريخ كمن يملك الة قوية ولا يعرف لمن يستخدمها ولا كيف ,والمعرفة التي لا تستند الى جذور الماضي تظل سطحية متقلبة ,اما حين تستند الى وعي تاريخي فهي تكتسب عمقا واتزانا يجعلها قادرة على الصمود في وجه التحديات ,ولذلك نرى ان من اعظم مفاتيح القيادة الناجحة هو الفهم التاريخي الذي يضيء للعقل طريق القرار ويمنح صاحبه البصيرة قبل البصر.
ان قراءة التاريخ ليست عملا ماضويا كما يظن البعض, انما هي فعل من افعال الحاضر ,لاننا حين نقرا الماضي فاننا في الحقيقة نقرا الحاضر بلغة اخرى , فكل حدث تاريخي هو درس متكرر بصيغ جديدة ,وكل ازمة معاصرة تجد جذورها في صفحات التاريخ لمن تامل وتدبر ,ولهذا فان الامم الحية تكتب تاريخها باستمرار لتتعلم منه ,ولتجعل منه مرجعا للاجيال القادمة , فالتاريخ ليس ملكا للمورخين فحسب,وانما هو ملك لكل انسان يريد ان يفهم العالم وان يفهم نفسه.
ومن هنا يجب ان يكون تعليم التاريخ من اولويات اي نظام تربوي او ثقافي يسعى لبناء انسان متكامل لا انسان يعيش منقطعا عن جذوره, فالمعلم حين يدرس التاريخ لطلابه انما يزرع فيهم الوعي والقدرة على التفكير النقدي والسياسي, حين يقرا التاريخ يتجنب القرارات المتهورة ,والعالم حين يتامل تاريخ العلوم يفهم كيف تتطور الافكار ,والمجتمع حين يتدارس تاريخه يفهم نفسه, ويعرف موقعه بين الامم ,كل ذلك يجعل من التاريخ علما للحياة لا مجرد قصص من لماضي.
ان الامم التي تحفظ تاريخها وتحسن قراءته ,هي التي تصنع مستقبلها بثقة ,اما التي تهمل تاريخها او تحرفه فسرعان ما تفقد بوصلتها ,والتاريخ لا يرحم من يجهله ,لانه لا يعيد نفسه الا على من لم يتعلم دروسه, لذلك فان معرفة التاريخ ليست خيارا ,وانما ضرورة من ضرورات الوعي الانساني ,ومن لم يقرا التاريخ لم يتعلم شيئا وان بلغت شهاداته اعلى المراتب ,لان التجارب التي عاشها الاخرون تختصر علينا الزمن وتجنبنا تكرار الماسي وتجعلنا اكثر حكمة ونضجا في التعامل مع الحياة, فالتاريخ هو الذاكرة والعبرة والهوية, وهو كنز البشرية الذي لا يفنى , فيه وجعها وفرحها.. انتصارها وانكسارها,.. فيه القصص التي تروي كيف تشكل الانسان من خلال التجربة والمعاناة ..وفيه المفاتيح التي تفتح ابواب الغد لمن اراد ان يسير على بصيرة , فمن يقرا التاريخ يعيش الف حياة في حياة واحدة, ومن يهمله يبقى اسير اللحظة ,لا يرى الا ما امامه ,عاجزا عن فهم ما كان ولا ما سيكون ,لذلك فان قراءة التاريخ ليست ترفا فكريا ,وانما عبادة للعقل ,وتربية للروح ,ووعي يجعل الانسان اكثر انسانية واكثر اتصالا بعمق وجوده ومعنى وجود الاخرين
جاسم محمد علي المعموري
سانت لويس – ميزوري
29-5-2022

شارك هذا المقال

document.addEventListener("DOMContentLoaded", function () { var articleUrl = window.location.href; var articleTitle = document.title; document.getElementById("share-facebook").href = "https://www.facebook.com/sharer/sharer.php?u=" + encodeURIComponent(articleUrl); document.getElementById("share-whatsapp").href = "https://api.whatsapp.com/send?text=" + encodeURIComponent(articleTitle + " " + articleUrl); document.getElementById("share-telegram").href = "https://t.me/share/url?url=" + encodeURIComponent(articleUrl) + "&text=" + encodeURIComponent(articleTitle); document.getElementById("share-twitter").href = "https://twitter.com/intent/tweet?url=" + encodeURIComponent(articleUrl) + "&text=" + encodeURIComponent(articleTitle); document.getElementById("share-email").href = "mailto:?subject=" + encodeURIComponent(articleTitle) + "&body=" + encodeURIComponent(articleUrl); window.copyArticleLink = function(){ navigator.clipboard.writeText(articleUrl); alert("تم نسخ رابط المقال"); }; });