البحوث الإسلامية

في ثلاثٍ وعشرينَ سنة صنعَ امةً وغيّر وجهَ التاريخ

جاسم محمد علي المعموري

جاسم محمد علي المعموري
جاسم محمد علي المعموري
بحث إسلامي

في ثلاثٍ وعشرينَ سنة صنعَ امةً وغيّر وجهَ التاريخ

انها ثلاث وعشرون سنة فحسب ,ولكنها في ميزان التاريخ دهور طويلة,وفي حساب الحضارات اعصار من التحول لا يكاد العقل يحيط به ولا الفكر يبلغ غوره. ثلاثٌ وعشرون سنة خرج فيها رجل واحد من صحراء قاحلة لا تعرف من العمران الا قليله ,ولا من العلم الا يسيره فغير وجه الدنيا ,وغير مجرى التاريخ ,وصنع امة من لاشيء ما تزال حية بعد اكثر من اربعة عشر قرنا.

خرج محمد صلى الله عليه واله وسلم ,ولم يكن معه جيش جرار ,ولا خزائن ملوك ,ولا سلطان دولة ممتدة. خرج ومعه قلب امتلأ بنور الله ,ولسان ينطق بالحق ,وروح تحمل هم الانسان منذ فجر الخليقة الى قيام الساعة. فاذا بالقبائل المتناحرة تتحول الى امة واحدة ,واذا بالقلوب المتفرقة تجتمع على كلمة سواء ,واذا بالرعاة في الفيافي البعيدة يصيرون حملة علم وحملة رسالة وقادة امم.

كان العرب قبل البعثة يعيشون في ظلمات متراكمة.. عصبية عمياء تاكل الاخضر واليابس.. حروب تمتد عشرات السنين من اجل ناقة او كلمة.. ظلم للضعيف واستعلاء للقوي.. رِبا ينهش الارزاق.. زنا يفسد الفطرة.. خمر تذهب بالعقول.. وأد للبنات خشية الفقر او خوف العار.. فاذا بهذا النبي الكريم يقتلع تلك الجذور الفاسدة اقتلاعا ,ويغرس مكانها شجرة التوحيد والعدل والرحمة والكرامة.

علم الناس كل شيء.. من تفريش الاسنان الى كيفية اقامة علاقة عميقة مع الخالق ..علمهم كيف يتطهرون وكيف يتعاملون., كيف ياكلون وكيف يشربون.. كيف يقصون اظفارهم وكيف ينظفون افواههم.. كيف يبنون الاسرة وكيف يقيمون المجتمع.. كيف يتعامل الحاكم مع الرعية, وكيف يتعامل الغني مع الفقير.. ثم رفع ابصارهم من تراب الدنيا الى ملكوت السماء ,وعلمهم كيف يقفون بين يدي ربهم وقوف العبد العارف المحب الخاشع.

وليس اعظم من هذا التحول الا الوسائل التي صنعته, فلم يكن السيف هو الذي صنع الامة بل صنعها الوحي, ولم تكن القوة هي التي غيرت النفوس ,بل غيرها الايمان. وكان القران المجيد المعجزة الخالدة التي لا تبلى , ولا تنقضي عجائبها على طول الزمان.. كتاب يربي العقل والقلب ,ويصنع الانسان قبل ان يصنع الدولة ,. ويقيم الضمير قبل ان يقيم السلطان.

ثم شاءت الحكمة الالهية ان تقرن الكتاب برجل هو من الكتاب بمنزلة الروح من الجسد, والنور من الشمس, ذلك هو علي بن ابي طالب عليه السلام, الذي ولد في بيت الله , وعاش في حجر رسول الله ,ونشأ على عينه ,وكان اول المؤمنين واخلص المجاهدين واعلم العالمين بعد رسول رب العالمين, فكان القران الناطق, وكان الترجمان الامين, وكان النموذج الكامل لما اراده الله من الانسان المؤمن.

واذا كان القران هو دستور السماء ,فإن عليا هو التجسيد الحي لذلك الدستور, واذا كان القران كلمات تهدي الى الحق, فان عليا كان حياة تمشي على الارض بالحق, فما افترقا في مقصد , ولا تباعدا في غاية ,وانما كان كل منهما يكمل الاخر ,ويكشف سره ويبين معناه. واذا كان القران معكزة النبي فعلي معجزته الثانية..

ومن اعجب ما يثير الدهشة في سيرة الرسول صلوات الله عليه واله ,انه لم يصنع رجالا صالحين فحسب , كما فعل الانتبياء قبله , وانما صنع حضارة كاملة.. نقل الناس من عبادة الاصنام الى عبادة رب الاصنام وخالق الاكوان.. نقلهم من الثأر الى العدل , ومن العصبية الى الاخوة , ومن الجهل الى العلم, ومن الفوضى الى النظام, ومن التفرق الى الوحدة. حتى صار اولئك الذين كانوا يتنازعون على موارد الماء قادة للعالم ومعلمين للشعوب.

وكلما اقبل عام هجري جديد عاد السؤال يطرق القلوب. ماذا فعل محمد في ثلاث وعشرين سنة , وماذا فعلنا نحن في قرون طويلة, لقد ترك لنا كتابا لا يضل من تمسك به , وترك لنا عترة طاهرة لا تُزيغ من اقتدى بها ,وترك لنا طريقا واضح المعالم لا يلتبس على طالب الحق.

فيا اهل العام الهجري الجديد ..عودوا الى منبع النور الاول.. عودوا الى محمد وعلي والقران.. عودوا الى الرسالة يوم كانت تصنع الانسان قبل العمران , وتبني الضمير قبل البنيان, فإن الامة التي صنعها رسول الله صلوات الله عليه واله من رمال الصحراء قادرة ان تنهض من جديد اذا عرفت سر نهضتها الاولى وتمسكت بسببها المتين.

سلام الله على نبينا محمد يوم ولد ويوم بُعث ويوم هاجر ويوم جاهد ويوم رحل الى الرفيق الاعلى.. وسلام على ال بيته الطيبين الطاهرين ..وسلام الله على علي يوم ولد في الكعبة ويوم ضَرب بسيفه دفاعا عن الحق ويوم استشهد في محراب العبادة.. وسلام على القران ما تعاقب الليل والنهار ,وما بقي في الارض قلب يطلب الهداية ,ونفس تشتاق الى طريق النجاة. فذلك هو النور الذي لا يخبو ,وذلك هو الينبوع الذي لا ينضب , وذلك هو السر الذي صنع امة من لا شيء فجعلها باذن الله منارة للانسانية جمعاء.

جاسم محمد علي المعموري