ينبغي للولايات المتحدة ان تسعى لعلاقات جيدة مع ايران
من يتابع السياسة الدولية خلال العقود الماضية يلاحظ ان العلاقة بين الولايات المتحدة واسرائيل تعد من اكثر العلاقات قوة واستمرارا في العالم المعاصر. فهذه العلاقة لم تتاثر كثيرا بتغير الرؤساء او الاحزاب الحاكمة في واشنطن ,وانما ظلت تحظى بدعم سياسي وعسكري واقتصادي واسع على مدى عقود طويلة, وقد حصلت اسرائيل على مساعدات مالية وعسكرية ضخمة من الولايات المتحدة منذ قيامها, كما حصلت على دعم دبلوماسي كبير في المنظمات الدولية, وعلى تعاون استخباري وعلمي وتقني واسع النطاق.
لقد قدمت الولايات المتحدة لاسرائيل مئات المليارات من الدولارات عبر السنوات, ففي كثير من المراحل كانت اسرائيل من اكبر متلقي المساعدات الخارجية الامريكية, كما زودتها واشنطن باحدث انواع السلاح والتقنيات العسكرية, وساعدتها في تطوير قدراتها الدفاعية, ومولت برامج مثل القبة الحديدية وغيرها من الانظمة العسكرية. كذلك استخدمت الولايات المتحدة حق النقض في مجلس الأمن مرات عديدة لحماية اسرائيل من قرارات دولية تدين الحروب والجرائم الكبرى التي ارتكبتها اسرائيل ضد الفلسطينين ودول المنطقة.
وقد ظهرت متانة هذه العلاقة في محطات كثيرة, ففي حرب عام 1973 سارعت الولايات المتحدة الى دعم اسرائيل بجسر جوي عسكري واسع النطاق, وفي العقود اللاحقة استمرت الشراكة العسكرية والاستخبارية بين الطرفين بصورة غير مسبوقة, كما شاركت الولايات المتحدة في جهود سياسية وعسكرية عديدة كان الهدف منها الحفاظ على التفوق العسكري الاسرائيلي في المنطقة.
ان العلاقة بين البلدين تجاوزت حدود التحالف التقليدي لتصبح علاقة خاصة لا تكاد تجد لها مثيلا في عصرنا,وان اسرائيل استفادت من الولايات المتحدة بدرجة تفوق كثيرا ما قدمته لها, فخلال عقود طويلة حصلت على مساعدات مالية وعسكرية هائلة ودعم سياسي ودبلوماسي مستمر, بينما لم يلمس المواطن الامريكي العادي فوائد مباشرة تتناسب مع حجم تلك التكاليف, ان مليارات الدولارات التي انفقت خارج الحدود كان يمكن ان تسهم في تطوير المستشفيات والمدارس والبنية التحتية وتخفيف اعباء الرعاية الصحية عن ملايين الامريكيين, ان هذه العلاقة علاقة غير متوازنة تميل فيها كفة المكاسب بصورة واضحة لمصلحة اسرائيل بينما لا تحصل الولايات المتحدة على اي شيء ..
كما ان الانتقادات الموجهة لاسرائيل لا تقتصر على الجانب المالي فقط, بل تمتد الى سجل طويل من الحروب والصراعات التي ادت الى خسائر بشرية كبيرة ودمار واسع في المنطقة. وان السياسات العسكرية المتكررة والتوسع في الاراضي المحتلة واستخدام القوة المفرطة في بعض النزاعات قد ساهمت في تعميق الازمات بدلا من حلها, وقد دفعت هذه الاحداث منظمات حقوقية دولية وشخصيات سياسية وقانونية عديدة الى المطالبة باحترام اكبر للقانون الدولي وحماية المدنيين والعمل من اجل حلول سلمية عادلة تضع حدا لدورات العنف المستمرة.
ومع ذلك يطرح بعض الامريكيين وغير الامريكيين سؤالا مشروعا وهو ما حجم الفائدة التي تحصل عليها الولايات المتحدة مقابل ما تقدمه من دعم مالي وعسكري وسياسي كبير لاسرائيل؟ فواشنطن تتحمل اعباء مالية ضخمة في وقت يعاني فيه كثير من المواطنين الامريكيين من مشكلات تتعلق بالرعاية الصحية وارتفاع تكاليف التعليم والسكن وتزايد الديون الشخصية, ويشير اصحاب هذا الراي الى ان جزءا من تلك الموارد كان يمكن ان يوجه نحو تحسين حياة المواطنين داخل الولايات المتحدة بدل انفاقه خارج حدودها.
لذلك اتساءل احيانا, ماذا لو كانت العلاقة بين الولايات المتحدة وايران مختلفة تماما عما هي عليه اليوم؟ ماذا لو تمكن الطرفان من بناء علاقة تعاون واحترام متبادل بدل عقود طويلة من التوتر والعقوبات والصراعات غير المباشرة؟ ان ايران دولة كبيرة من حيث المساحة والسكان, وتمتلك موارد طبيعية هائلة وموقعا جغرافيا مهما يربط مناطق عديدة من العالم, كما تمتلك سوقا واسعة وقدرات علمية وصناعية يمكن ان تشكل مجالا كبيرا للتعاون الاقتصادي والتقني.
ان العلاقات الجيدة بين الدول لا يجب ان تقوم على العداء الدائم, بل على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل, ولو نجحت الولايات المتحدة وايران في فتح صفحة جديدة من التعاون, فقد تستفيد واشنطن من فرص اقتصادية وتجارية واسعة, كما يمكن ان تستفيد ايران من التكنولوجيا والاستثمارات والتعاون العلمي. وفي المقابل قد يسهم ذلك في تخفيف حدة التوتر في الشرق الاوسط وتقليل احتمالات الصراع العسكري الذي يدفع الجميع ثمنه.
وعلى الولايات المتحدة ان تنتهج سياسة اكثر توازنا تقوم على تحقيق السلام والاستقرار للجميع, فالعلاقات الدولية الناجحة لا ينبغي ان تكون على حساب شعوب اخرى, ولا ان تشجع الحروب او تزيد من حدة النزاعات. ان العالم اليوم بحاجة الى الحوار اكثر من حاجته الى السلاح, وبحاجة الى التعاون اكثر من حاجته الى العقوبات والمواجهات.
انني أؤمن بان السلام الحقيقي يتحقق عندما تتحدث الدول مع بعضها البعض, بدلا من ان تتبادل التهديدات. كما ارى ان بناء جسور الثقة بين الولايات المتحدة وايران قد يكون خطوة مهمة نحو شرق اوسط اكثر استقرارا وامنا, فالشعوب في النهاية تريد حياة كريمة وفرص عمل وتعليما جيدا ومستقبلا امنا لابنائها, وهي اهداف لا تتحقق بالحروب المستمرة ولا بالصراعات التي لا تنتهي.
لذلك ادعو الى تغليب لغة الحوار والتفاهم بين جميع الدول, والى البحث عن المصالح المشتركة التي تخدم الانسان قبل اي اعتبار اخر. فكل دولار ينفق على التنمية والتعليم والصحة يعود بالنفع على البشر جميعا, بينما تترك الحروب خلفها خسائر كبيرة يصعب تعويضها. ومن هنا فان المستقبل الافضل لن يصنعه التوسع العسكري ولا الصراعات المفتوحة وانما تصنعه الدبلوماسية الحكيمة والتعاون البناء والاحترام المتبادل بين الامم.
جاسم محمد علي المعموري