أبي يتظاهر في شارع الرشيد!
لا تزال صورة والدي, رحمه الله ,ماثلة في ذاكرتي بوضوحٍ لا يخفت مع الزمن, صورة تجمعه باثنين من اشقائي وهم يتقدمون تظاهرة جماهيرية حاشدة في شارع الرشيد احتجاجاً على العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956. كانت لافتة كبيرة ترتفع فوق رؤوسهم وتصرخ بعبارة: ( نستنكر العدوان الثلاثي على مصر).
كان أبي يومها في الثلاثينيات من عمره, فيما كان اخي الأكبر فتىً يافعاً في مقتبل المراهقة, ولم يكن اخي الآخر قد تجاوز السابعة من عمره, وبرغم بساطة الصورة وعفويتها, فإنها ظلت بالنسبة لي واحدة من أكثر الصور امتلاءً بالمعاني والدلالات الانسانية العميقة مذ رأيتها ايام طفولتي .
لطالما تأملت تلك الوجوه المتحمسة وذلك الحشد الغاضب والصورة بين يدي , مرة اقبلها , واخرى اضعها تحت وسادتي , وثالثة اتباهى بها بين اقراني, لكني عندما كبرت شعرت أن تلك اللحظة لم تكن مجرد تظاهرة سياسية عابرة, وانما كانت تعبيراً صادقاً عن احساس جماعي بالمصير المشترك, وعن شعور عميق بأن جرح أي بلد عربي هو جرح يمس الجميع, وربما كان لهذه الصورة أثر بالغ في تكوين وعيي المبكر, وفي ترسيخ احساسي بالانتماء الى هذه الأمة, والإيمان بوحدة مصيرها وآمالها وآلامها.
ومع مرور الزمن, لم يبق ذلك الأثر محصوراً في حدود الانتماء القومي وحده, بل أخذ يتسع تدريجياً حتى تحول الى شعور أرحب بالانتماء إلى الانسانية كلها, وبأن الانسان الحقيقي لا يستطيع ان يكون معزولاً عن آلام الآخرين ومعاناتهم, مهما اختلفت أوطانهم وأعراقهم. لكن السؤال المحير الذي اطرحه بألم بالغ في هذا الزمن العصيب هو ما الذي جرى لشعوبنا العربية لتصل الى هذا المستوى من اللامبالاة والقبول بالذل والخنوع؟ لماذا لا تتحرك ؟ لماذا تظل ساكنة في قاع محيطات الألم والظلم والفساد؟ لماذا تترنح أرواحنا بين خوف وذهول, بينما العالم من حولنا يصرخ في وجه الظلم ويواجهه؟ هل نحن شعوب قاصرة عن فهم حقيقية الكرامة أم ان هناك شيء اعمق وأشد غموضا في حقيقة معاناتنا؟ ربما يكون السبب الأول هو موت الضمير ,ذلك الضمير الذي تحطم على صخور الواقع المظلم. قد يظن البعض ان الضمير العربي قد تعرض لحادث قاتل في احد الأزقة المعتمة, ولكنه في الحقيقة قد تم دفنه في مقبرة عارات هذه الأمة حينما تجذرت الديكتاتورية وتمكن الفساد من القلوب حتى أصبح الضمير يئن في سجون الخوف والسكوت, وأصبح الصمت هو شعار الشعوب التي تعيش في حالة من الخنوع لا يفارقها.
في الوقت الذي يتظاهر فيه الملايين من شعوب العالم ضد القمع وضد الظلم وضد الحروب, نجد أن كل شيء فينا قد أصبح ثانويا الا التردد والجبن.. أين هو الشعور بالمسؤولية؟ أين هو الوعي الجماعي؟ أين هو صوت الحق الذي يصرخ في وجه الطغاة؟ أليس من العار ان نشهد ما يحدث في العالم من حركات احتجاجية من جموع البشر, بينما نحن الذين كنا في يوم من الأيام قلب الحضارة, أصبحنا في حضيض الخوف واليأس؟ هل حقاً لا نستطيع ان نتعلم من تلك الأمم التي تقف صامدة, تضحي بكل شيء من أجل الكرامة؟ لقد ضحى الكثير من أبناء الشعوب الأوروبية والأمريكية والآسيوية بكل شيء من أجل قضية فلسطين, ومن اجل لبنان واليمن وايران, استرخصوا الأرواح والاجساد من اجل تحقيق العدالة وايقاف الحروب, بينما نحن, ما الذي نملكه سوى دماء ساكنة وكلمات ميتة ترددها ألسنتنا في محاولة يائسة للتنفيس عن مشاعر مكتومة, لا هي تحمل شجاعة ولا هي تنم عن قوة.
ثم هناك القيادات السياسية التي تضع حاجزا سميكا من الرعب والتهديدات ضد اي محاولة لتجاوز الخطوط الحمراء. فالمجتمعات العربية, بما فيها من طبقات اجتماعية وقوى دينية وعقائدية متصارعة, باتت غارقة في سياسات الترهيب والترغيب.. كلما همّ أحدهم بالتحدث عن حقوقه أو محاربة الفساد, قوبل بحملة تشويه, وقد يصل الامر الى القتل او الاعتقال, وقد يلقى الشخص مصيرا أسوأ من ذلك بكثير, وهنا يأتي دور القيادات السياسية والدينية التي تكاد تكون قد رسمت شكلا من أشكال الرعب النفسي في عقول الشعوب. فالخوف من الموت والخوف من الفقر والخوف من السجن أصبح جزءا من تاريخنا الثقافي, وهكذا يصبح الجبن هو السمة التي نميز بها أنفسنا في هذا الوقت العصيب.
الحكام - كما قلت - في حالة من الخوف المروع, خائفون من خيالهم قبل أن يكونوا خائفين من شعبهم, يعتقدون ان السماح بالتظاهر يعني السماح بالخروج عن سلطتهم, وكأن السلطة ليست أداة لخدمة الناس, وانما وسيلة للاحتكار والبطش.. إنهم يؤمنون بأنهم إذا سمحوا للمواطنين ان يعبروا عن غضبهم او مطالبهم, سيؤدي ذلك الى انهيار ملكهم وعرشهم.. إنهم يعيشون في وهم ان السلطة بيدهم وأنها ثابتة, ولكنهم في الحقيقة لا يعلمون أن السلطة الحقيقية تكمن في الشعب, في إرادته.. في مطالبه.. في حلمه.. حتى وإن بدا ان هذا الشعب قد أصابه الركود.
إن اللامبالاة التي نراها اليوم ليست سوى نتيجة منطقية لهذا النظام القمعي الذي ساد لسنوات طويلة, فما الذي يحدث عندما يحكم الناس بسوط من الخوف؟ هل من الطبيعي أن تتجذر فينا مثل هذه الظاهرة؟ لا شك أن القمع يولد الخنوع, لكنه لا يقتل الأمل تماما.. في أوروبا.. في أمريكا.. في أستراليا.. تتظاهر الجماهير بشكل يومي, وتغلق الشوارع من أجل قضاياها, فلو كان العرب قد نشأوا على أساس من التربية التي تقيم العدل وتنادي بالحرية والكرامة, لكانوا قد أخذوا مكانهم جنبا إلى جنب مع هذه الشعوب التي تقف في وجه الحكام الطغاة بكل شجاعة, ولكن في عالمنا العربي نرى السكون هو السمة السائدة.. نرى كل شيء ينسحب تدريجياً من أيدينا, فالطلاب لا يحتجون على فساد النظام التعليمي, والعمال لا يثورون ضد الظلم في وظائفهم, والفنانون لا يرفعون أصواتهم ضد طغيان السياسة, وحتى الصحفيون لا يتحركون خوفاً على حياتهم المهددة بالقتل , فهم يشعرون ان كل كلمة يكتبونها تقرب كاتم الصوت من رؤوسهم, هذا هو الواقع الأليم الذي نعيش فيه, واقع يكاد يقتصر على استسلامنا لكل ما يحيط بنا من ظلم, لا يوجد صوت يعلو فوق صوت المأساة التي نخاف أن نواجهها. بينما يرى الآخرون الحياة في حريتها العميقة, نرى نحن الحياة في مديح القهر والمهانة, هذا هو المأزق الذي أوقَعنا فيه حكامنا الذين لا يستطيعون ان يروا أبعد من أرصدتهم في البنوك العالمية, بينما نحن غارقون في بحر من الرمل يبتلع كل يوم حلما جديدا.
وإذا تساءلنا عن المسؤول عن هذا الوضع المأساوي, فالجواب الوحيد الذي يمكن أن نقوله هو: نحن.. نعم نحن .. نحن من سمحنا بأن يغرقنا هذا الخراب الروحي والفكري.. نحن من أغمضنا أعيننا عن كل هذا الظلم والفساد.. نحن من اخترنا الهروب بدلا من المواجهة.. نحن من أسأنا الى أنفسنا حينما تركنا الخوف يتسلل الى كل تفاصيل حياتنا. الشعب العربي, الذي كان في يوم من الأيام شعلة نور, أصبح اليوم شبحا يسير في الشوارع من شدة الخوف.. لكن, هل يمكن ان نغلق هذا الباب تماماً؟ هل اصبح الأمل في التغيير مستحيلاً؟ الإجابة ليست سهلة, ولكن في اعماق كل فرد منا, هناك جزء من المقاومة, حتى وإن كان صغيرا, حتى وإن كان محاصراً بالخوف. قد لا نرى اليوم المظاهرات في الشوارع, قد لا نرى شارع الرشيد يهتز بارجل المتظاهرين وهم بالملايين, ويهتفون ( نستنكر العدوان الصهيوني الامريكي على لبنان), او ربما ( ...على ايران ) ولكن ربما يوماً ما سيتجمع كل هذا السكون في لحظة واحدة, ويثور الشعب العربي ليصنع مستقبله من جديد, حتى وإن بدت هذه اللحظة بعيدة, فإن التاريخ لا يقف في مكانه, والأمل لا يموت, حتى وإن ماتت الجموع.
جاسم محمد علي المعموري