الفكر والسياسة

يوم اكتمل فيه معنى الرسالة

جاسم محمد علي المعموري

جاسم محمد علي المعموري
جاسم محمد علي المعموري
مقال فكري

ليست كل الايام سواء في ذاكرة الامم ,فهناك ايام تمر ثم تذوب في النسيان ,وهناك ايام تبقى حية مهما تعاقبت القرون, لانها ترتبط بالحقيقة والعدالة ومصير الانسان, ومن بين تلك الايام العظيمة ياتي يوم الغدير باعتباره واحدا من اعظم الايام التي عرفها التاريخ الاسلامي عند المسلمين جميعا لانه اليوم الذي اعلن فيه النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم ولاية الامام علي عليه السلام امام عشرات الالاف من المسلمين بعد عودته من حجة الوداع.

لم يكن ذلك اليوم حادثة عابرة في صحراء بعيدة ,ولم يكن خطابا عاديا قيل تحت حرارة الشمس ثم انتهى كل شيء بعده, وانما كان لحظة فاصلة بين زمنين وبين فهمين مختلفين لمستقبل الامة بعد رحيل النبي, فالنبي الذي قضى سنوات عمره الشريف يبني امة جديدة على اساس الحق والعدل لم يكن من الممكن ان يتركها دون ان يحدد الطريق الذي يحفظ الرسالة من الضياع والانقسام..

في ذلك المكان المعروف بغدير خم توقف الركب الكبير بامر واضح وصريح من الله ورسوله ..تجمع الناس في حر شديد ,وصعد النبي مكانا مرتفعا ليلقي خطبته الشهيرة ,ثم رفع يد علي عليه السلام امام الجميع ,وقال كلمته التي بقيت تتردد في ذاكرة التاريخ ,من كنت مولاه فهذا علي مولاه.. لم تكن تلك الكلمات مجرد اعلان للمحبة كما حاول البعض تفسيرها لاحقا,وانما كانت اعلانا واضحا عن الولاية والقيادة واستمرار خط الرسالة بعد النبي صلوات الله عليه واله..

لقد فهم كثير من المسلمين يومها معنى ذلك الاعلان ولذلك بايعوا الامام علي وهنأهُ كبار الصحابة بتلك المنزلة العظيمة,بل كل الصحابة رجالا ونساءا , لكن السياسة حين تدخل في قلب الحقيقة تحاول دائما ان تعيد تفسير الاحداث بما يخدم مصالحها. وهكذا تحول ذلك اليوم العظيم مع مرور الزمن الى محور صراع طويل بين من راى فيه نصا الهيا واضحا على خلافة علي عليه السلام ,وبين من حاول ابعاد القضية عن معناها الحقيقي.

ان المتأمل في شخصية الامام علي يدرك بسهولة لماذا اختاره الله ورسوله لهذا الموقع العظيم. فقد كان علي اقرب الناس الى الله ورسوله واكثرهم علما وشجاعة وعدلا وتقوى. وهو الذي نام في فراش النبي ليلة الهجرة ,وهو الذي حمل راية الاسلام في اصعب المعارك ,وهو الذي عرف بين الناس بنقاء القلب والالتزام الكامل بقيم الحق, ولم يكن علي طالب سلطة ,ولا باحثا عن حكم, وانما كان يرى الخلافة مسؤولية اخلاقية قبل ان تكون منصبا سياسيا.

ولهذا يشعر المسلم الشيعي ان يوم الغدير ليس مجرد ذكرى تاريخية, وانما عيد عظيم يرتبط باكتمال الدين ووضوح طريق الولاية, انه اليوم الذي شعر فيه المؤمنون ان الرسالة لم تُترك دون حافظ ,وان العدالة ما زالت تمتلك صوتا قادرا على مواجهة الانحراف مهما اشتدت الصراعات, ومن هنا جاءت مكانة الغدير الكبيرة في الوجدان الشيعي حيث يحتفل الناس به بوصفه يوم اعلان الحق وانتصار الحقيقة على الغموض السياسي.

لقد حاول كثيرون عبر التاريخ التقليل من اهمية هذا اليوم ,لكن الحقيقة بقيت اقوى من محاولات الطمس والنسيان ,فالكتب الاسلامية الكبرى حفظت حادثة الغدير وروتها مصادر متعددة عند السنة والشيعة على حد سواء, ولم يكن الخلاف في اصل الحادثة ,بل في معناها الحقيقي ودلالتها السياسية والدينية, وهذا وحده يكشف ان القضية لم تكن وهما صنعه المتاخرون بل حقيقة راسخة داخل التراث الاسلامي نفسه.

ومن المؤلم ان الامة بعد رحيل النبي صلوات الله عليه واله دخلت سريعا في دوامة الصراع على السلطة ,بينما بقي علي عليه السلام يمثل صوت العدالة والصبر والحكمة.. لقد كان بامكانه ان يخوض معارك دامية من اجل حقه ,لكنه اختار حماية الاسلام الفتي من الانهيار الكامل, ولهذا بقيت شخصيته رمزا اخلاقيا عظيما حتى عند كثير ممن اختلفوا معه سياسيا, فالانسان قد يهزم بالاضطرار ,لكنه لا يهزم حين يبقى وفيا للمبادئ التي يحملها.

ان يوم الغدير في جوهره ليس مجرد نقاش تاريخي حول من يتولى الحكم بعد النبي ص وانما هو قضية تتعلق بمعنى القيادة نفسها,هل تكون القيادة امتدادا للعلم والعدالة والطهارة ,ام تتحول الى صراع قوة ومصالح؟!, ولهذا يرى المسلم الشيعي ان الدفاع عن ولاية علي عليه السلام ليس تعصبا لشخص ,بل دفاع عن نموذج اخلاقي وانساني للسلطة يقوم على خدمة الناس وحفظ القيم.

لقد علمتنا التجارب عبر التاريخ ان الامم حين تبتعد عن العدالة تدخل في دوامات طويلة من الانقسام والالم, وربما لهذا السبب بقي الغدير حاضرا بقوة في الوعي الشيعي لانه يمثل لحظة كان يمكن ان تغير مسار التاريخ الاسلامي كله لو ان الناس تمسكوا بما اعلن يومها بوضوح امام الجميع, لكن المصالح السياسية غالبا ما تدفع المجتمعات الى الابتعاد عن الطريق الاصعب حتى لو كان هو الطريق الصحيح.

ومع ذلك بقي اسم علي عليه السلام حيا في القلوب عبر القرون, لم تستطع الحروب ولا حملات التشويه ان تطفئ حضوره الروحي والفكري, فالرجل الذي عاش للحق ومات من اجل العدالة تحول الى رمز خالد للانسان الذي لا يساوم على مبادئه مهما كانت التضحيات, ولهذا يشعر الملايين من المسلمين الشيعة ان عيد الغدير ليس مجرد احتفال ديني بل تجديد للعهد مع قيم العدالة والوفاء والحقيقة.

ويبقى يوم الغدير واحدا من اعظم الايام التي حملت معنى اكتمال الرسالة ووضوح الطريق, انه اليوم الذي رفع فيه النبي يد علي امام الناس ليقول لهم ان الحق لا ينبغي ان يترك بلا دليل ,وان الرسالة تحتاج بعد النبي الى من يحفظ معناها الحقيقي من الضياع, ولهذا سيبقى الغدير عيدا عظيما في ذاكرة المسلمين الشيعة ورمزا دائما لانتصار الحقيقة مهما حاولت السياسة ان تخفي نورها.

جاسم محمد علي المعموري
يوم الغدير الاغر عيد الله الاكبر 1447هـ
سانت لويس - ميزوري