جاسم محمد علي المعموري
قصيدة
بتول
في عتمة الليل ,
وعندَ ساعةِ السَّحَر,
يَقَضُّه مضجعُه,
أكاد أسمعُ نحيبَهُ
الذي تسمعُهُ السماءُ..
وأرى نزيفَ دمِ الضحايا
وهم عُراةٌ في العراء,
وأرى ثلاثةَ نعوشٍ
تحملها الجِمالُ ,
تسيرُ بها نحوَ مقبرةٍ
طافيةٍ فوقَ الماء.
الريحُ تصرخُ بالنعوشِ وتفضحُها,
في بلادٍ لا تُحبُّ الغرباء.
* * * * * *
وعندَ الفجرِ حين يدعو الأذانُ للجهاد
وحينَ تقرعُ نواقيسُ الكنائسِ أجراسَها ,
يأتي البريدُ من الوطنِ مع الصباح ..
أنتَ بدأتَ خُطاك,
وأنتَ اخترتَ طريقَك، فتهنَّا..
يا قلبي.. كم كنتَ جريئاً
كم كنتَ شجاعاً ,
لما راحَ قصيدُك يُتغنّى :
وَلِهٌ بالماءِ وبالنخلِ,
بالطيرِ على الأعشاشِ تنامُ ,
وتُسبّحُ في الفجرِ إلهاً رزّاقًا.
ولِهٌ بالوجهِ الأسمرِ فَوّاحاً , بالعَنبر ,
بالوشمِ المرسومِ على كفَّي فلاحة ,
طلاسمُ حبٍّ وهُويةُ إثباتٍ وطنية..
ولِهٌ بالعشقِ وبالعشّاق ,
بالليلِ يُغازلُ أمواجَ الماءِ,
بالقمرِ المتشعشعِ في خدِّ حبيبة ,
بالأضرحةِ الذهبيةِ المتلألئةِ ,
بالثوارِ الشهداءِ,
بالوطنِ الحالمِ بالحرية,
بالفقراءِ الطامحينَ إلى العدل.
* * * * * *
يا قلبي , كم كنتَ عظيما ,
لما أغمضتَ العينينَ عليها ,
وغفوتَ طويلاً ,
ثم أفقتَ على أنغامِ الرشّاشِ ,
صباحَ مساءٍ يُغنّي:
سنُكسّرُ قيدَك يا وطني.
* * * * * *
هرِمتَ، ورأسُك بالشيبِ توهّج ,
هرِمت وروحُك ,
والليلُ يُحالفُ أحزانَك..
تستيقظُ في الليلِ جراحُك ,
علَّك تلمسُ من طيفِك في الليلِ خيوطًا
تمتدُّ يداك..
تنحتُ باباً في جدارِ السجن ,
ترسمُ شُبّاكاً مفتوحاً
ليطلَّ على النخل.
تمتدُّ لتأخذَ تمرة ,
تسبحُ في دِجلة ,
رسمٌ يتراقصُ فوقَ الأمواج ,
والحبُّ فُراتٌ
والشوقُ الأهلُ فُرات..
تستيقظُ من لا نومَ ,
فمن أنتَ لكي تغفو
فوقَ أمانيكَ سعيدا؟
أوما تدري أنك من غيرِ أمانٍ تتمنّى؟
أوما تدري كم تتجنّى؟
ذاك محالٌ أنك تغفو ,
ذاك خيالٌ لن يتسنّى.
* * * * * *
في خيوطِ الشمسِ شكٌّ ,
والجراحُ دمٌ ونار,
في مدارِ الفلكِ خوفٌ ,
والدُّجى دمعٌ وعار ,
والعراقُ الليلُ يبكي
يقتلُ الآلافُ في كلِّ نهار..
فغفا بعضٌ على أنقاضِ بعض ,
واهتدى بعضٌ لنيلِ العزِّ سار ,
قدّمَ النفسَ شهيداً للوطن ,
كانَ صوتاً حرّضَ الشعبَ فثار.
* * * * * *
فَوُلِدتِ يا بتول ,
إنه ميلادُ سَعدٍ ,
جعلَ الدنيا تُغنّي وتقول:
يا بتولُ, أنتِ للشعبِ رسول ,
أنتِ للآمالِ غنوة ,
حينَما تَكبو الخيول..
يا بتولُ, قد قُتِلنا ونُفينا ,
حينَ لم نرضخْ لطاغيةِ الجهالةِ والظلام.
يا بتولُ, ليتَ قاتلَكِ قتيلا ,
أو نراهُ في متاهاتٍ ذليلا.
يا بتولُ, لن أقول:
عمرُكِ كانَ قصيرا ,
لن أقول.
مثلَ نورٍ بخُطا في سرعةٍ,
مرَّ يجتازُ الظلام..
مثلَ طِيبٍ, أو سحابة ,
مثلَ تغريدةِ طيرٍ
يترنّمُ , والصدى عزفُ ربابة ..
بل أقول , رغمَ كلِّ الظالمين:
لكِ عمرٌ سيطول ,
جاسم محمد علي المعموري
1993
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=891379